مالكة عسال: الوعود الكاذبة صنعت عزوفًا سياسيًا غير مسبوق
مالكة عسال: الوعود الكاذبة صنعت عزوفًا سياسيًا غير مسبوق
دردشة مع ياسمين الحاج 9 غشت 2026
بين الأمل والإحباط، وبين صناديق الاقتراع وأحلام الشباب، يظل السؤال الأكبر مطروحًا: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في السياسة، وبناء مستقبل يليق بتطلعات المغاربة؟
في حلقة جديدة من “دردشة مع ياسمين الحاج”، نفتح واحدًا من أكثر الملفات إثارةً للنقاش، مع الكاتبة والشاعرة المغربية مالكة عسال، التي تتحدث بجرأة عن أسباب تراجع ثقة المواطنين في العمل السياسي، وتقدم رؤيتها لواقع البرلمان، والاستحقاقات التشريعية المقبلة، ودور المرأة والشباب في صناعة مغرب الغد.
كما تتوقف ضيفتنا عند أحداث سبتة، ونكشف حجم التحديات التي تواجه الشباب، وتستدعي مراجعة السياسات العمومية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتحسين جودة التعليم والصحة، وتوفير فرص العيش الكريم.
حوار صريح، يحمل مواقف جريئة، ويطرح أسئلة تلامس نبض الشارع المغربي، مؤكدًا أن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى بالوعود والشعارات، بل بالمصداقية، والمحاسبة، والشفافية، والكفاءة، واحترام إرادة المواطن.
1. بدايةً، نرحب بكم في زاوية “دردشة مع ياسمين الحاج”. حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحديات التي يواجهها المغرب؟
أولا أرفع لك القبعة عاليا، حول هذه المبادرة التي فتحت نافذة للإطلالة على وعي المواطن وتسليط الضوء على فكره تجاه ظاهرة حاسمة تعتبر الدرع النابض لتنمية الوطن والمواطن، والشكر موصول لك سيدتي على استضافتك اللطيفة وتقديمك هذا الحوار بأسلوب راق يدل على أن صاحبته لها كعب عال في المعرفة بكل أطيافها، ولها باع طويل في الموازاة بين ما تقدمه على الواقع بالملموس من تظاهرات ثقافية شاهقة، وبين ما تقوم به اليوم في العالم الأزرق ..أحييك بسلال الياسمين متمنية لك التوفيق والسداد
باختصار مفيد مالكة عسال من مواليد مدينة ابن أحمد 13/06/1954 ترعرعت واشتغلت في الدار البيضاء أستاذة التربية والتعليم مدة 35 سنة متقاعدة حاليا ..دخلت غمار الشعر سنة 2003 إبان فاجعة إنسانية بفلسطين والعراق ..لها إصدارات في الشعر والقصة والنقد وأدب الرحلة، ترجمت بعض أعمالها إلى لغات أخرى..
2. كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة في ترسيخ المسار الديمقراطي، وما أبرز الرهانات التي تميزها عن الاستحقاقات السابقة؟
ولو أني أتنصل من المهام السياسية، رغم أنها عُرضَت علي أكثر من مرة، ورفضي الباث الخوض فيها والدليل عدم تسجيلي في أية لوائح انتخابية، وكأني بها فقدت ثقتي، لكن من خلال ما يروج عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، هناك بعض الاستعدادت تزرع بصيصا من الأمل في النفوس، إذ تدعو المواطنين بقوة إلى الانخراط في العمل السياسي، وتلح عليهم التدقيق والتعقل في اختيار الممثلين.. ودرجة الوعي هذه تنم بالكاد عن أن هناك قفزة نوعية عما سبق، خاصة إذا تكللت باختيار الأكفاء الذين يتحلون بالصدق في القبض على المهام المنوطة بهم، وتحملها بكل مسؤولية في ما يخدم الوطن والمواطن..
3. كيف تقيمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم، وهل ترون أنه مهيأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين؟
لا يخفى عنا أن المشهد السياسي مؤخرا شهد تطورات ملموسة، شملت انضمام بعض الأحزاب في ما يسمى بالتحالف ناهيك عن بعض التغييرات في القوانين، مما يبين أن هناك حركة سياسية ملحوظة.. فلو كل المكونات السياسية من قوى فاعلة حكومة وأحزاب وبرلمان ونقابات ومكونات المجتمع المدني من جمعيات وتنظيمات وضعوا يدا في يد ووحّدوا جهودهم ، وتظافرت رؤاهم حول هدف واحد أكبر هو خدمة الوطن والصالح العام والسعي لتنميتهما ، وسطروا برنامجا يكسب ثقة الناخبين وفق حكامة جيدة تصب في إصلاح الحياة الاجتماعية والصحة والتعليم وتوفير فرص التشغيل، لا نستبعد أن المشهد السياسي سيفرز ما نؤمن به من نخب تلبي تطلعات المواطنين..
4. كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في الاضطلاع بأدوارها التشريعية والرقابية والاستجابة لتطلعات المواطنين؟
ما لوحظ أن الحكومة هي التي كانت لها اليد الطولى في المبادرة التشريعية، حيث لا تترك الفرصة سانحة للنواب لتفعيل مقترحاتهم، وهذا غيَّب تماما الأدوات الرقابية الحقيقية من حيث ربط المسؤولية بالمحاسبة، اللهم بعض الأسئلة الشفوية والكتابية التي كانت تُطرَح، والتي لم تف بالغرض المطلوب على أكمل وجه، وهذا أعطى صورة لدى المغاربة على أن البرلمان لم ينجح كما ينبغي في تحقيق تطلعات المواطنين خاصة في بعض الأوضاع الحساسة كالصحة والتعليم وغلاء الأسعار وخلق فرص الشغل، وتحقيق العدالة الاجتماعية ..
5. برأيكم، ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟
ومن أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها نصب عينيه، هي تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية ، وتقليص الفوارق، والعمل على تكافؤ الفرص، ومحاربة الفساد، وإيجاد فرص الشغل، وتخفيض الأسعار، وفرض الوجود برقابة أكثر، وربط المحاسبة بالمسؤولية، والنزول للشارع والإنصات إلى نبض المواطنين حول أوضاعهم وقضاياهم ومتطلباتهم، وطموحاتهم…
6.كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟
المواطنون اليوم تدمروا من الوعود الكاذبة والشعارات الفارغة، وأصبح لهم نفور من العمل السياسي بكل أطيافه، خاصة لما لم تنفذ بعض الوعود، وتكون نتائج الإجراءات العملية سلبية، وعليه حتى يستعيد المواطن الثقة في العمل السياسي، تجب الشفافية قولا وفعلا بكل ما تعنيه الكلمة من مصداقية والتعهد بالوفاء، ربط المسؤولية بالمحاسبة، بحيث تصبح للمواطن إمكانية الاطلاع على المنجزات التي تُبنى من أموال الشعب، الأخذ باقتراح المواطن عبر الاستشارات العمومية، وإشراكه ودمجه بصورة أو بأخرى في العمل السياسي، والتحلي بالنزاهة في الانتخابات وتفعيل برنامجها الانتخابي بشفافية، ثم تنظيم محاضرات وندوات تصب في أهمية صوت المواطن في الانتخابات، مع حسن اختيار ممثله لنشر الوعي السياسي بصورة أبلغ..
7. تعرف مشاركة المرأة المغربية تطورًا ملحوظًا في الحياة السياسية. هل ترون أنها استطاعت فرض حضورها داخل المشهد السياسي والتشريعي، أم أنها لا تزال تواجه تحديات تحُد من وصولها إلى مواقع القرار؟ وما السبل الكفيلة إلى تعزيز حضورها؟
لا نجانب الصواب إن قلنا لا فرق بين المرأة والرجل في الجوانب العقلية والتفكير، اللهم الاختلاف في الجانب الفزيولوجي، وأي تعثر ليس حاصلا من ذاتها وإما من مؤثرات خارجة عن إرادتها، وأعباء منزلية ثقيلة مازالت مفروضة عليها، وهذا لا يمنع أنها حققت ذاتها في عدة مجالات جمعوية وثقافية واقتصادية، وحتى في السياسة قادرة على العطاء لو أتيحت لها نفس فرص الرجل.. ولو أن الإصلاح القانوني خول للمرأة نسبيا توسيع المشاركة في البرلمان والوزارة والجماعات، فمازال حضورها ضبابيا وتواجهها بعض التحديات للوصول إلى مراكز القرار..
8. ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى الشباب، خاصة الذين في الانتخابات لأول مرة؟
الرسالة تبنى على ثلاثة محاور أو عناصر إن شئنا ، أولا الصوت ثانيا الحق الدستوري ثالثا أمانة وطنية على العاتق، سأوجه له رسالتي أن صوته غال لا يباع ولا يشترى بأي ثمن، وألا يدلي به إلا لمَن يستحقه /الشخص الكفء الذي سيمثله، ويدافع عنه باستماتة ، وألح عليه أن هذا حقه الدستوري وعليه أن يمارسه بعقلانية دون محاباة أو خوف أو بيع ذمة، لأن في ذلك مسؤولية وطنية، حين يختار من يمثله عن جدارة واستحقاق، وأؤكد له أنه باختياره يساهم ضمنيا في بناء وطنه، ويمارس حقه الدستوري كاملا لتعزيز الديموقراطية وخدمة الصالح العام..
9. هل ترون أن البرامج الانتخابية أصبحت معيارًا حقيقيًا في اختيار الناخب، أم أن اعتبارات أخرى ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي؟
لا ننسى أن المواطن على درجة من الوعي، خاصة وأنه يقوم بالمقارنة بين المشهد السياسي المغربي وغيره في الدول الأوروبية، حيث امتلأت جعبته بمقترحات وتطلعات، وأفكار؛ بالإضافة إلى عوامل أخرى منها تصوره للمرشح من حيث النزاهة والمصداقية، رأيه في بعض الأحزاب، أو انتماؤه لأحدها ، تأثيره ببعض العادات والتقاليد، تشبعه بثقافة الأسلاف/ توجهاته/ السياسية /ميوله الفكرية /مواقفه .. هذه العوامل كلها قد تؤثر على الناخب، فترجح كفة تأثيره بالبرامج الانتخابية حيث لا تصبح هي المعيار الأوحد لاختيار الناخب ..
10. كيف يمكن الحد من ظاهرة العزوف الانتخابي، والتصدي للممارسات التي تمس نزاهة الاستحقاقات وتعزز فقدان الثقة؟
حين يُلاحَظ أنه لا تغيير ملموسا تحققَ في الاستحقاقات السابقة، وأن تكرارها بات مملا، يصاب المواطن بالإحباط، على اعتقاد أن الانتخابات مجرد مسرحية بنوايا أن ما حصل أمس هو نفسه سيكرَّر اليوم، نفور مطلق بنظارة تشاؤمية سوداء .. ولإعادة الاعتبار إليه وجب اتخاذ عدة إجراءات :أولا ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومعاقبة الفاسدين حتى يدرك المواطن أن يدا حديدية تسمى القانون فوق كل من خرج عن جادة الصواب، ثانيا قيام الأحزاب بدورها السياسي في الإنصات إلى أضرار المواطن، وتقديم برامج تلبي تطلعاته.. ثالثا التشبيب السياسي بدعوة الشباب إلى الانخراط في العمل السياسي وتشجيعهم على المشاركة في الانتخابات، وتوعيتهم بعدم بيع أصواتهم بحفنة من دراهم لاتسمن ولا تغني من جوع لِيوم، للتلاعب بمصالحهم لعقود، وأخيرا الشفافية والمصداقية، وتقديم منجزات ملموسة تحقق حلم المواطن…
11. ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين وتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية؟
هي كثيرة ومتنوعة من ضمنها قبل كل شيء أن يفضل مصلحة الشأن العام على مصلحته، ألا يتخذ منصبا لأشياء مغرضة/ مصلحية، وأن يتأكد من أن المنصب تكليف وليس تشريفا، وأن يقترب من المواطنين، وينصت لتطلعاتهم بالتواصل، بالبحث الميداني، بالوقوف على مشاكلهم بتدقيق، وأن يكون كفؤاً في اتخاذ القرارات والدفاع عن حقوق المواطنين بصرامة، و صادقا في وعوده وقراراته …
12. في نظركم، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوناتها، في مواكبة الانتخابات، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومحاربة الأخبار المضللة؟
وسائل الإعلام هي النافذة التي يطل منها المواطن على عملية الانتخابات ومراحلها ونتائجها، لذا يجب أن تتحلى بالشفافية والنزاهة في تقديم الأخبار، أن تواكب الإجراءات الانتخابية من أولها حتى نهايتها، مع الابتعاد عن الخطابات العدائية أو المتملقة، تفعيل دورها الحقيقي في تقديم معلومات دقيقة وحقيقية وشرح وتوضيح عملية الانتخابات، تنظيم ندوات تُعرّف بالبرامج الانتخابية ودور الممثلين ،وأهمية التصويت..
13كيف رأيتم ما وقع في مدينة سبتة، ومحاولة آلاف الشباب، ومن بينهم أطفال وقاصرون، الهجرة بشكل جماعي؟ وما الرسائل السياسية والاجتماعية التي تعكسها هذه الأحداث؟ وهل ترون أنها تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب؟
الجواب
في الحقيقة لو تمعنا في شرائح المجتمع المغربي كله من الرضيع إلى الشيخ مرورا بالشاب والمرأة، نجد هناك أزمات عميقة، فالرضيع لا تتوفر دور الحضانة لاحتوائه خاصة إذا كانت الأم تشتغل، والطفل يعاني من عدم تكافؤ الفرص ما بين المدارس العمومية والخصوصية في نفس المنطقة، وما بين البادية والمدينة على الصعيد الوطني ، والشاب خاصة مَن مِن حملة الشهادات الذي يعاني من أزمة البطالة، بالإضافة إلى معركة غلاء الأسعار، وانعدام القدرة الشرائية، وغياب الجودة في التعليم والصحة، مما جعل الجميع يحس بفقدان الأمن الاقتصادي والغذائي، والتعليمي والصحي ..أضف إلى الحلم الكبير الذي اجتاح الجميع بتحسين العيش بكرامة وكافة الحقوق، عززها تشنيف المسامع بأقوال وخطابات واهية حول أوروبا على أنها بقرة حلوب؛ فكان هروب جماعي شمل جميع الشرائح من مختلف الأعمار، رغم أنه محفوف بالمخاطر .. ولكن لما تُرتّب المسألة بمناسبة عيد العرش والمغاربة يحتفلون بذكراه المجيدة، وتكون المجازفة على حساب ترك الأهل والأحباب والاستقرار والتوجه إلى المجهول حيث التشرد، فالأمر يصبح غريبا يستدعي أكثر من تحليل وأكثر من سؤال .. ولتفادي تكرار مثل هذه الفاجعة، يجب إعادة النظر في السياسات العمومية وتوفير العيش الكريم والرفع من القدرة الشرائية، وتحسين جودة الصحة والتعليم، بل العمل على تخطيط ممنهج وفق التوجهات الملكية لإصلاح أي خلل يضر بالمواطن على كافة المستويات ..
14.في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟
أظن أن هذا السؤال سبق في رقم 8 ولكن لابأس من الإجابة عنه.. أوجه لهم نصيحتي أولا بتوضيح تام أن الانتخابات هي إجراءات مسؤولة لاختيار من يمثلونهم، فقبل الحسم في هذا القرار لابد من قواعد يتم عليها بناء اختيارهم بشكل صحيح منها : أن يشاركوا في الانتخابات ولا يُحبَطوا لأن أمل التغيير يرفل بين أعيننا جميعا وهو تطلع لابد من تحقيقه، وألا يبيعوا أصواتهم مهما كان الثمن، ولا يهبوها إلا لمن يستحقونها، وأن يختاروا ممثليهم مثقفين أكفاء متجردين من الأنانية وحب الذات، ذوي إرادات قوية ومبادئ إنسانية يستطيعون الدفاع عن القضايا بجرأة وزعامة، ويتحلون بالمصداقية والشفافية
أحيي عاليا السيدة ياسمين الحاج على المساحة الشقراء التي جعلتني أشارك في رحابتها بأفكاري ومعلوماتي مع القراء وأدلي بدلوي حول محطة مصيرية هامة، من خلال حوار شيق كان بحق قنطرة عبور إلى جوانب غامضة لتسليط الضوء عليها.. واستجداء أشياء تعتبر لبنات أساسية لبناء صرح سياسي حقيقي، يساهم في وعي المواطن وتنمية الوطن والنهوض به ليصبح في مصاف الدول المتقدمة، والأسئلة والأجوبة لم تكن لملء الصفحة، وإنما لتبادل الخبرات والأفكار حول ما ينبغي أن يكون انطلاقا مما كان نحن مقبلون عليها ..
أخيرا لك شكري وعظيم امتناني
مالكة عسال
