المناضل النقابي الحسين الكافوني : يسأل «أين ذهبت المعارضة القوية؟ الأحزاب تحوّلت إلى بيوت عائلية
المناضل النقابي الحسين الكافوني “مغربنا الجميل يستحقّ أفضل من ذلك”
ترجمة الحوار من الفرنسية للعربية: أشرف لكنيزي
إيمانًا بأنّ الحوار الجادّ يشكّل ركيزة أساسية لبناء الوعي، وأنّ الرأي المسؤول يسهم في ترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز المشاركة في الشأن العام، تفتح الجريدة من خلال زاوية «دردشة مع ياسمين الحاج» نافذةً للحوار مع شخصيات سياسية وفكرية وأكاديمية ومدنية، لمناقشة القضايا الوطنية التي تشغل الرأي العام، واستطلاع مختلف وجهات النظر بكلّ موضوعية واحترام. وفي هذا العدد، نسلّط الضوء على الانتخابات التشريعية المقبلة، باعتبارها محطة دستورية مهمة في المسار الديمقراطي للمملكة، من خلال حوارٍ يهدف إلى استشراف الرؤى، وقراءة التحدّيات، وتعزيز النقاش العمومي حول المشاركة السياسية، ودور المؤسسات، وانتظارات المواطنات والمواطنين.
ضيف هذا العدد هو المناضل النقابي المخضرم “الحسين الكافوني”، المولود ببئر طمطم إقليم صفرو سنة 1942، والكاتب الوطني السابق للنقابة الوطنية للفوسفاط، وأحد مؤسّسي العمل النقابي بقطاع الفوسفاط والكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT)، ومن الأعضاء المؤسّسين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP). عُرف بمواقفه المعارِضة داخل الحقل النقابي وبدعوته إلى تخليق العمل النقابي واستقلاليته، ومثّل الطبقة العاملة في منظمة العمل الدولية سنواتٍ طويلة، وتحت قبّة البرلمان بين 1984 و1992. في هذا الحوار، يقرأ الاستحقاقات المقبلة بعين خبرةٍ نقابية وسياسية تمتدّ لأكثر من ستّة عقود.
بدايةً، نرحّب بكم في زاوية «دردشة مع ياسمين الحاج». حبّذا لو تُعرّفون القرّاء بشخصكم الكريم، وتحدّثوننا عن أبرز محطّات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظلّ الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحدّيات التي يواجهها المغرب؟
ج: غداة الاستقلال، كان المغرب في حاجة ماسّة إلى أساتذة التعليم التقني لتعويض الفرنسيين الذين شرعوا في مغادرة البلاد، فالتحقتُ سنة 1960 بالمدرسة الجديدة لتكوين أساتذة التعليم التقني بعين السبع في الدار البيضاء. وبعد سنة، قرّر المسؤولون اختيار خمسة عشر شخصًا من بين 350 متدرّبًا لإعدادهم أساتذةً في الرسم الصناعي، وكان من دواعي سروري أن أكون من بينهم. وبعد سنتين من التخصّص، عُيّنتُ بمكناس للتدريس في ثانوية مولاي إسماعيل، أكبر ثانوية على صعيد إفريقيا قاطبةً.
وثمّة حدثٌ بارز يستحقّ الذكر: ففي مطلع سنة 1963 خاض المتدرّبون إضرابًا مطلبيًا، فحضر العقيد إدريس بنعمر، والي الدار البيضاء آنذاك، إلى مدرستنا ووجّه اتّهامات ظالمة إلى الرسّامين، ثم أصدر أوامره بإنهاء الإضراب واتّصل بوزارة التعليم للاستجابة إلى مطالبنا. وكان ذلك بمثابة نقطة انطلاقي نحو الالتزام بالنضال. ومن الجدير بالذكر أنّ إدريس بنعمر عُيّن بعد بضعة أشهر لقيادة «حرب الرمال» الشهيرة سنة 1963 ضدّ الجزائر، فقادها بنجاح ورُقّي إلى رتبة جنرال.
أمّا سنة 1965 فكانت سنةً مفصلية حافلة بالأحداث الكبرى؛ إذ كنتُ قد نُقلتُ إلى القنيطرة للتدريس في ثانوية عبد الملك السعدي، على مقربة من الرباط. وفيها وقع اختطاف المهدي بن بركة، واندلع إضراب الطلبة، واتُّخذ قرار رجال التعليم بالانسحاب من الاتحاد المغربي للشغل على غرار فيدرالية البريد والمواصلات (PTT) التي كانت قد غادرت المركزية النقابية سنة 1961. ودون تأخّر، التحقتُ بالحركة، وعزمنا على مغادرة الاتحاد المغربي للشغل لتأسيس النقابة الوطنية للتعليم (SNE) سنة 1966.
وفي سنة 1969، تلقّيتُ عرضًا مهمًّا للالتحاق بالمكتب الشريف للفوسفاط (OCP) براتب يفوق راتب التعليم بعشر مرّات، فضلًا عن امتيازات أخرى. وقد غيّرت سلسلةٌ من الأحداث المشهدَ النقابي برمّته داخل المكتب: محاولة الصخيرات سنة 1971، ثم محاولة الطائرة سنة 1972، وتسلّل الجماعات المسلّحة الذي أفضى إلى حركة 3 مارس 1973.
وفي حكومة كريم العمراني سنة 1971، عُيّن أرسلان الجديد — «مهاتما أعيان الاتحاد المغربي للشغل بخريبكة» — وزيرًا للشغل، فكانت مناسبةً اغتنمها الفوسفاطيون للتنديد بالتواطؤ بين إدارة المكتب والاتحاد المغربي للشغل، فنظّموا صفوفهم وغادروه لتأسيس نقابتهم الخاصة، النقابة الوطنية لعمال الفوسفاط (SNTP)، في نونبر 1976، وقد شغلتُ فيها منصب الكاتب العام الثاني طيلة 22 سنة. والتحقت بحركتنا أربعة قطاعات أخرى (البريد والمواصلات، والصحة، والسكك الحديدية، والطاقة) لتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (CDT) في نونبر 1978، وقد تشرّفتُ بتمثيلها في منظمة العمل الدولية (OIT) طيلة 20 سنة، وتحت قبّة البرلمان طيلة ثماني سنوات (1984–1992). وكنتُ كذلك من الأعضاء المؤسّسين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (USFP) سنة 1975، وعضوًا في لجنته الإدارية من 1975 إلى 2010.
وبعد إحالتي على التقاعد، شاركتُ في تأسيس الجمعية الدولية «الحق في الطاقة — إنقاذ المستقبل» سنة 2000، والجمعية الوطنية «الماء والطاقة للجميع» سنة 2006، الممثَّلة في جهات المغرب الاثنتي عشرة، وكنّا أوّل من أثار إشكالية ندرة الماء بالمغرب. ولمن أراد التفصيل، أدعوه إلى قراءة مؤلَّفَيَّ المتواضعين، بالعربية والفرنسية، «مسار والتزامات»، حيث بسطتُ تجربتي على المستوى النقابي والسياسي والجمعوي.
كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة في ترسيخ المسار الديمقراطي، وما أبرز الرهانات التي تميّزها عن الاستحقاقات السابقة؟
ج: بكلّ صراحة، أنا شديد التشكيك ولا أنتظر أيّ تغيير إيجابي. تتحدّثون عن أهمية هذه المحطة في ترسيخ المسار الديمقراطي، غير أنّ الأحزاب «السياسية» المغربية تخلّت منذ أكثر من عقدين عن دورها الحقيقي في تكوين منخرطيها وتأطيرهم، وابتعدت عن القوى الشعبية حتى غدت مقرّاتها بلا أثر حياة، ولا صلة لها بالنخبة الفكرية للبلاد. وما دام الحال كذلك، فلا أرى في هذا الاستحقاق رهانًا جوهريًا يميّزه عن سابقيه.
كيف تقيّمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم، وهل ترون أنه مهيّأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين؟
ج: لا أظنّه مهيّأً لذلك. فالبرلمانيون المرتقَبون لن يكونوا تمثيليين في ظلّ ملايين غير المسجّلين، والعزوف الكبير يوم الاقتراع، والعدد المُفرط للأحزاب المتنافسة، والبرامج النظرية التي تفتقر إلى وسائل التنفيذ. والخلاصة أنْ لا شيء يُنتظَر من برلمانٍ قادمٍ مصبوغٍ برعاية «البوشكارة»؛ فنحن أبعد ما نكون عن مباركة ملامح الشخصيات القادرة على التشريع غدًا لسنّ قوانين تُخرِج البلاد من المآزق التي خلّفتها الحكومات السابقة. إنّ مغربنا الجميل يستحقّ أفضل من ذلك.
كيف تقيّمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في الاضطلاع بأدوارها التشريعية والرقابية والاستجابة لتطلّعات المواطنين؟
ج: المردودية ضعيفة لدى الأغلبية والمعارضة المشتَّتة على السواء، حتى إنّ تواطؤ ما يُسمّى بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مع أخنوش بات صارخًا. ومن المؤسف أنّ هذا الحزب الكبير، الذي طالما شكّل نِدًّا قويًا للسلطة، قد تحوّل إلى مجرّد بيتٍ عائليٍّ صغير؛ فوداعًا للمعارضة القوية التي امتدّت من 1984 إلى 1992 بقيادة الاتحاد الاشتراكي الحقيقي، والتي نتذكّر من محطّاتها ملتمس الرقابة سنة 1990.
أمّا اليوم، فالرقابة على الحكومة ضعيفة، ولا تتبّع يُذكر لمشاريع قوانين التصفية. وقد مُرِّر قانون الإضراب على عجل، في «قِدر الضغط»، ضربًا لحقوق العمال وتهميشًا لدور النقابات. والحصيلة ماثلة أمام الجميع: عجزٌ في الميزان التجاري، ومديونية بلغت 1211 مليار درهم سنة 2026 أي أكثر من 70% من الناتج الداخلي الإجمالي، ومعدّل بطالة يتجاوز 13%، ومصفاة «سامير» متوقّفة منذ أمدٍ بعيد، ولا أحد يعرف ما يجري داخل المكتب الشريف للفوسفاط، أكبر مقاولة في البلاد، بينما تُطلق صناديق التقاعد إشاراتٍ حمراء منذ حكومة اليوسفي.
برأيكم، ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟
ج: أوّلًا، الحرص على تقديم مرشّحين يتمتّعون بتكوينٍ رصينٍ يؤهّلهم للتشريع وللمراقبة الصارمة لتنفيذ برنامج الحكومة المقبلة. وتأتي في صدارة الأولويات: التعليم، والصحة، والتشغيل، والماء، والطاقة، والاستثمار، والأجور، وصناديق التقاعد.
كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟
ج: بتقديم مرشّحين ذوي ملامح قادرة على التشريع ومراقبة الحكومة المقبلة، وبعرض برامج واقعية مصحوبة بميزانيات ملموسة ومُحدَّدة كمّيًا تكفل إنجاز هذه البرامج، لا مجرّد وعودٍ نظرية.
تعرف مشاركة المرأة المغربية تطوّرًا ملحوظًا في الحياة السياسية. هل ترون أنها استطاعت فرض حضورها داخل المشهد السياسي والتشريعي، أم أنها لا تزال تواجه تحدّيات تحدّ من وصولها إلى مواقع القرار؟ وما السبل الكفيلة بتعزيز حضورها؟
ج: دور المرأة في المجتمع حاسم، فهي عماد التوازن السليم للأسرة، ومع ذلك لا تزال لا تحظى بالمكانة التي تستحقّها. أوَلم يُقَل: «إذا أرادت المرأة، أراد الله»؟ وأرفع قبّعة إجلالٍ للنساء المناضلات في جميع المجالات. غير أنّ المرأة، منذ داخل الأسرة، مهضومة الحقّ مقارنةً بالذكر؛ ولا بدّ من تعزيز نظام الحصص (الكوطا) لضمان حضورها المشرِّف، وإحداث جمعيات رجالية للدفاع عن حقوقها، والمنع القاطع للزواج المبكّر، وتعميم تمدرس الفتيات في المدينة والبادية، وتشجيعهنّ على مواصلة الدراسة حتى ولوج الجامعة والمدارس المتخصّصة.
ما الرسائل التي تودّون توجيهها إلى الشباب، خاصة الذين سيشاركون في الانتخابات لأوّل مرة؟
ج: أخشى أن يكون عدد الشباب المشاركين لأوّل مرة ضئيلًا إلى حدٍّ يكاد يكون معدومًا، فتغدو مساهمتهم هزيلة. وللأسف، شبابنا مُهمَل تمامًا: قصورٌ تامّ على مستوى التعليم الأوّلي، وآلافٌ يغادرون مقاعد الدراسة كلّ سنة، وتأطيرٌ ضعيف في التكوين المهني، وقلّةٌ نادرة هي التي تلج عالم الشغل، ليصير هؤلاء جميعًا عبئًا دائمًا على الأسر المعوزة. والأمر نفسه في الجامعة، حيث انتهى زمن النقاشات الكبرى الحامية حول القضايا المصيرية، وخلّف الغياب غير المبرَّر للمدرسة الكبرى «الاتحاد الوطني لطلبة المغرب» (UNEM) آثاره في هذا الشباب التائه. والوزارة الصغيرة المكلَّفة بالشباب بلا بوصلة، والمكانة التي تخصّصها له الأحزاب والمجتمع المدني هزيلة.
لذا، فرسالتي الحقيقية هي دعوة الجميع إلى تأطير هذا الشباب ببرامج هيكلية تُعِدّه لتسلّم المشعل في ظروف جيّدة.
هل ترون أن البرامج الانتخابية أصبحت معيارًا حقيقيًا في اختيار الناخب، أم أن اعتبارات أخرى ما تزال تؤثّر في السلوك الانتخابي؟
ج: برامج الأحزاب نظرية أكثر من اللازم وغير قابلة للتحقيق، فكلّ شيء يُقرَّر على مستوى مجلس الوزراء، وما الحكومة إلا لتنفيذ التوجيهات على مضض. ومن ثمّ تظلّ السياسة التعسّفية لـ«البوشكارة» هي المهيمنة، لا البرامج.
كيف يمكن الحدّ من ظاهرة العزوف الانتخابي، والتصدّي للممارسات التي تمسّ نزاهة الاستحقاقات وتعزّز فقدان الثقة؟
ج: لمحاربة عزوف الناخبين، لا بدّ من تعديل الدستور لتوسيع صلاحيات الحكومة والتوجّه بلا مواربة نحو ملكية برلمانية، بما يجعل الحكومة أكثر مسؤولية ويتيح معاقبتها عند الاقتضاء في الاقتراع المقبل.
ما الصفات التي ينبغي أن يتحلّى بها المرشّح الذي يستحقّ ثقة المواطنين وتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية؟
ج: ينبغي أن يكون المرشّح نزيهًا، متوفّرًا على جميع الكفاءات اللازمة للتشريع والمراقبة، مدعومًا من حزبٍ متجذّرٍ في الفئات الاجتماعية — وهو ما يستلزم إعادة هيكلة عميقة للأحزاب.
في نظركم، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوّناتها, في مواكبة الانتخابات، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومحاربة الأخبار المضلّلة؟
ج: أن تنظّم عدّة لقاءات ومناظرات يُنشّطها صحافيون موهوبون، دون لغة خشبية، قادرون على «توليد» أفكار المتحاورين توليدًا علميًا، بما يجلّي الحقائق للرأي العام ويحصّنه في وجه التضليل.
في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودّون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟
ج: أدعوهم إلى المشاركة بكثافة في التصويت، والتعبير بحرّية عن اختيارهم، مدركين أنّ غيابهم لا يخدم سوى عصابات «مالين الشكارة»، وأنّ عزوفهم خطرٌ على حسن اختيار برلمانيين أكفاء يُحسِنون التشريع ويُحكِمون مراقبة الحكومة
.