الرئيسية » 24 ساعة » الفنيدق .. جرس الإنذار

الفنيدق .. جرس الإنذار

جائحة كورونا فرضت اللجوء الاضطراري إلى اتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية والإجراءات الاحترازية حرصا على الصحة العامة، وذلك منذ تسجيل أول حالة إصابة بالفيروس التاجي على الصعيد الوطني، على رأسها الإغلاق الشامل، وفرض حالة الطوارئ الصحية التي لازالت سارية المفعول منذ ما يزيد عن السنة، ورغم الخروج – قبل أشهر – من عنق دائرة الحجر الصحي وما تلاه من تخفيف تدريجي للقيـود، وما تم الإعلان عنه من قبل جلالة الملك محمد السادس من خطط ومشاريع إصلاحية لإعادة العافية للاقتصاد الوطني والرفع من قدراته، وإعطاء نفس جديد للتنمية البشرية عبر الإعلان عن الشروع التدريجي في تعميم برامج الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية على جميع المواطنين المغاربة، لازالت آثار الجائحة قائمة سواء على المستوى القطاعي (السياحة، الفنادق، المطاعم، النقل السياحي، التجارة، تموين الحفلات، الحفلات، الأعراس، الحمامات … ) أو المجالي في ظل ارتباك مستوى العيش في عدد من المدن والأرياف على المستوى الوطني نتيجة ركود حركية التجارة والأنشطة المهنية والخدماتية، وهو واقع مقلق ترتفع معه حرارة المعاناة والقلق واليأس والإحباط وانسداد الأفق خاصة في الأوساط الاجتماعية الهشـة، مما قد يشكل قوة دافعة نحو الاحتجاج والاحتقان وتهديدا للأمن المجتمعي.

في هذا الصدد، فإذا كانت التداعيات الاجتماعية للجائحة تحضر في جميع المجالات، فإنها تحضر بقوة وعمق في مدن وأقاليم الشمال وتحديدا في تطوان ومرتيل والفنيدق والمضيق والناظور وبني أنصار، وهذه المدن والأقاليم لم تتضرر فحسب من الأزمة الوبائية في بعدها الصحي، بل تضررت أيضا في بعدها التجاري والسياحي في ظل استمرارية إغلاق معبري مدينتي “سبتة” و”مليلية” المحتلتين لأسباب وقائية ومبررات احترازية، وهذين المعبرين يعدان شريان الحياة في منطقة الشمال ومورد رزق لشرائح عريضة من المواطنين الذين يعيشون على “التهريب المعيشي” منذ عقود، وبقدر ما نؤكد أن هذا التهريب له آثارا سلبية متعددة الزوايا على الاقتصاد الوطني، بقدر ما يشكل قوة دافعة محركة للحياة التجارية والمعيشية بمنطقة الشمال، كما أن ما تم اتخاذه من تدابير وقائية واحترازية أرخى بكل ثقله على المشهد السياحي في ظل إغلاق الشواطئ والقيود المفروضة على قطاعات النقل والفندقة والمطاعم، مما كان له عميق الأثر على حياة “الشماليين” وعلى مستوى معيشتهم، وهو أثر يمتد حتى لبعض المدن التي باتت مرتبطة بشكل غير مباشر بتجارة التهريب المعيشي من قبيل الحسيمة ووجدة وجرادة وفكيك والعرائش والقصر الكبير.

وعليه واعتبارا لهذا الوضع المعيشي الصعب، يمكن أن نتفهم خروج بعض الساكنة بالفنيدق إلى الشارع – ليلة الجمعة 5 فبراير الجاري – احتجاجا على صعوبات العيش ومطالبة بفتح “باب سبتة” الذي تحول عبر عقود إلى شريان الحياة بالنسبة للشماليين، وهي احتجاجات لايمكن تجاوزها أو إقصاؤها أو المرور عليها مرور الكرام، ما لم يتم وضعها في سياقها الوبائي وما لم يتم استحضار تداعياتها المباشرة على التماسك الاجتماعي وآثارها على النظام العام، وإذا كانت الجائحة قد فرضت على الدولة اتخاذ قرار الإغلاق الشامل لمعبري “سبتة ” و”مليلية” في إطار ما تم اتخاذه من تدابير وقائية وإجراءات احترازية، فهي استحضرت تداعيات الجائحة ولم تستحضر تداعيات الإغلاق على الساكنة الشمالية التي ساءت بدون شك أحوالها تجاريا وسياحيا في ظل جائحة كاسحة لازالت تبسط سلطتها على المغرب وعلى العالم.

إغلاق معبري المدينتين المحتلتين، لم يدخل فقط ساكنة الشمال في دائرة الأزمة الاجتماعية العميقة، بل كشف أيضا عن ســوءة السياسات العمومية في أبعادها الوطنية والجهوية والمحلية بمدن وأقاليم الشمال، والتي لم تستطع تحصين هذه المنطقة من ورم “التهريب المعيشي”، كما كشفت عن ضعف ومحدودية الاختيارات الكبرى والمجالية المرتبطة بسياسة إعداد التراب الوطني المعتمدة منذ حوالي العقدين من الزمن، والتي لم تفلــح في تعزيز “البعد الأورو متوسطي” لمدن وأقاليم الشمال عبر الرهان على إرساء بنيات صناعية وتجارية وسياحية من شأنها الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية في منطقة استراتيجية تعد واجهة المغرب نحو أوربا والعالم .

وفي هذا الصدد، وحتى لا نكون عدميين، فلايمكن إنكار الاهتمام الذي يوليه جلالة الملك محمد السادس لمنطقة الشمال منذ جلوسه على العرش، وما أطلقه من مشاريع تنموية كبرى في المنطقة من قبيل “ميناء طنجة المتوسط” و”الحسيمة منارة المتوسط”، و”ميناء الناظور غرب المتوسط”، ومن بنيات طرقية وسككية ولوجستية مهمة، وهي مشاريع إصلاحية من ضمن أخرى، لايمكن إنكار آثارها على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشريـة، لكن لم تكن توازيها برامج حكومية ناجعة كما لم تكن تواكبها سياسات تنموية رصينة من جانب المجالس المنتخبة، مما عمق من بؤرة “التهريب المعيشي” الذي بات جزءا لا يتجزأ من حياة مدن بعينها خاصة تطوان ومرتيل والمضيق والفنيدق وبني أنصار والناظور.

ما حدث من احتجاجات اجتماعية خرجت عن الطابع السلمي وشكلت خرقا واضحا لإجراءات حالة الطوارئ الصحية، يفرض أكثر من أي وقت مضى دق “جرس الإنذار” لما لذلك من تداعيات على النظام العام وعلى التماسك الاجتماعي، ومن تأثيرات على سيرورة الحملة الوطنية للتلقيح التي نراهن عليها لتحقيق المناعة الجماعية في أفق العودة التدريجية إلى الحياة الطبيعيـة، ومناسبة إغلاف معبري المدينتين المحتلتين، هي فرصة للقطع مع ورم “التهريب المعيشي” لما له من آثار متعددة المستويات على الاقتصاد والتنمية، عبر استعجال التفكير في إيجاد البدائل المتاحة والممكنة التي من شأنها إعطاء نفس آخر للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية بالشمال، بمعزل عن ورم “التهريب المعيشي” الذي لامناص من القطع معه بشكل لارجعة فيه حماية للاقتصاد الوطني من المؤثرات الخارجية، واللجنة الخاصة بالنموذج التنموي التي يرتقب أن تقدم حصيلة عملها أمام أنظار الملك محمد السادس، نأمل أن تكــون قد انتبهت إلى ورم “التهريب المعيشي” بمنطقة الشمال، وأن تكون قد توصلت إلى اقتراح الحلول الممكنة التي من شأنها رسم خارطة طريق للتنمية بهذه المنطقة بعيدا عن هذا الورم الذي لايمكن إغفال آثاره العميقة على الاقتصاد الوطني.

وإذا استهدفنا من خلال هذا المقال “مدن وأقاليم الشمال”، فنــرى أن “التنمية” أزمتها عابرة لجميع المدن والأريــاف عبر التراب الوطني بدرجات ومستويات متفرقة، وهي أزمة تعمقت بؤرها في ظل هذه الجائحة غير المسبوقة، وهذا يستدعي التدخل والعلاج، وإذا كان لابد من الأمل، فلايسعنا إلا أن نعلق كل الآمال على “النموذج التنموي المرتقب” الذي نعول عليه كدولة ومجتمع وأفراد وجماعات، من أجل تحقيق النهوض وإدراك التنمية الشاملة في إطار الحرية والعدالة الاجتماعية وسيادة الحق والقانون … على أمل أن يتم التحرك الفوري لتشخيص واقع حال مدن وأقاليم الشمال منذ الإقدام على إغلاق معبري “سبتة” و “مليلية” شأنها في ذلك شأن باقي المدن الحدودية الأخرى في الشرق والجنوب، وهي مدن تقتضي عناية خاصة على المستوى التنموي، لأنها أبواب المغرب المفتوحة على أوربا وإفريقيا والعالم … ونختم بالقول : إذا أغلق باب “سبتة” و “مليلية” فلابد من استعجال فتح “باب التنمية” …

بقلم : عزيز لعويسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *