خريبكة تعانق عبق الماضي: حكاية “نصف قرن” من صدى الرماة
خريبكة تعانق عبق الماضي: حكاية “نصف قرن” من صدى الرماة
لم تكن شمس خريبكة يوم 23 ابريل 2026 عادية، فقد أشرقت وهي تحمل في طياتها صدى “المقص” وإيقاعات “التعريجة” العتيقة. تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، استيقظت المدينة على إيقاع المهرجان الوطني لعبيدات الرما، في دورة استثنائية لا تحتفي بفنٍ فحسب، بل تؤرخ لنصف قرن من الوفاء لهوية الأرض.
بدأت الحكاية من شوارع المدينة التي تحولت إلى مسرح مفتوح؛ حيث انطلق الكرنفال الفني كشلال من الألوان والأهازيج. اصطف الصغار والكبار على جنبات الطرقات، يرقبون بخفر وفخر تلك المجموعات بزيها التقليدي الأصيل، وهي ترسم لوحات تعبيرية تعيد للأذهان قصص القنص والفروسية وقيم “التمغربيت” الضاربة في القدم. لم يكن مجرد استعراض، بل كان تجديداً لبيعة ثقافية تربط الأجيال بجذورها.
ومع حلول المساء، انتقل نبض الاحتفال إلى المنصة الرسمية، التي شهدت حضوراً وازناً لمسؤولين وشخصيات طبعت المشهد التدبيري والثقافي، يتقدمهم السيد الكاتب العام لعمالة إقليم خريبكة ومدير مديرية الفنون و المدير الجهوي لوزارة الشباب والتواصل والثقافة قطاع الثقافة جهة بني ملال خنيفرة ورئيس المنطقة الأمنية بإقليم خريبكة ورئيس المجلس الجماعي. غير أن بريق الأضواء لم يسرق الأضواء من الأبطال الحقيقيين؛ فقد كانت اللحظة الأكثر تأثيراً هي وقفة الوفاء والاعتراف.
انحنت المدينة تقديراً لثلة من الرواد، شيوخ فن “عبيدات الرما” الذين أفنوا أعمارهم يحرسون الكلمة الموزونة والإيقاع الأصيل من الاندثار. كان تكريمهم بمثابة جسر يربط زمن الرواد بزمن الشباب، وتأكيداً على أن هذا الموروث اللامادي هو أمانة بين أيدٍ أمينة.
تكتسي هذه الدورة حلة رمزية خاصة؛ فهي تطفئ الشمعة الخمسين، نصف قرن من الصمود الثقافي في وجه عواصف العولمة والتحولات الفنية المتسارعة. خمسون عاماً والمهرجان يثبت أن “خريبكة” ليست مجرد عاصمة للفوسفاط، بل هي خزان لا ينضب للإبداع الإنساني.
اختُتم الافتتاح بسهرة فنية باذخة، حيث تمازجت الحركات المتناغمة للفرق التراثية مع الكلمات المليئة بالحكم والموعظة. كل رقصة كانت حكاية، وكل “حطة” كانت قصيدة، في مشهد يجسد روح الفن المغربي الذي لا يشيخ.
خلاصة القول: عادت خريبكة لتؤكد من جديد أنها الحاضنة الأمينة لفن “الرما”، مقدمةً للعالم نموذجاً في التنظيم المحكم الذي يعانق الأصالة، ومُعلنةً أن مسيرة نصف القرن هي مجرد بداية لفصول أخرى من التألق والإشعاع.
متابعة ياسمين الحاج










