الدخول المدرسي بأكاديمية جهة فاس مكناس ورهانات الخطاب الإعلامي المسؤول

0

فاس: محمد أمقران حمداوي

مع حلول كل دخول مدرسي جديد، تتجه أنظار الأسر والتلاميذ والأطر التربوية والإدارية وعموم الرأي العام إلى المدرسة المغربية، باعتبارها فضاء تتقاطع داخله انتظارات المجتمع وتطلعاته نحو مستقبل أفضل. ويكتسي الدخول المدرسي للموسم الدراسي 2026-2027 بجهة فاس-مكناس أهمية خاصة، بالنظر إلى حجم الأوراش التربوية المفتوحة والتحديات المرتبطة بتوسيع العرض المدرسي وتحسين جودة التعلمات وتعزيز الإنصاف وتكافؤ الفرص بين مختلف المتعلمات والمتعلمين.
وفي هذا السياق، بادرت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس إلى تنظيم ندوة صحفية بالمركز الجهوي للتكوينات والملتقيات بمدينة فاس، خصصتها لتقديم مستجدات الدخول المدرسي 2026-2027، واستعراض حصيلة الجهود المبذولة من أجل الارتقاء بالمنظومة التربوية على مستوى الجهة.
وتندرج هذه المبادرة ضمن نهج تواصلي يروم تعزيز الانفتاح على وسائل الإعلام، وإشراكها في مواكبة مختلف الأوراش والمشاريع التربوية، باعتبار الإعلام شريكا أساسيا في نقل المعلومة وتقريب المواطن من واقع المدرسة العمومية، وتسليط الضوء على منجزاتها وإكراهاتها وانتظاراتها.
وفي مستهل أشغال الندوة، رحب مدير الأكاديمية بممثلات وممثلي وسائل الإعلام، مثمنا اهتمامهم المتواصل بقضايا التربية والتكوين، ومؤكدا أهمية الدور الذي يضطلع به الإعلام في مواكبة الأوراش الإصلاحية والمبادرات الهادفة إلى تحسين جودة المدرسة العمومية.
وشكلت الندوة مناسبة لاستعراض أهم محاور العمل التي ميزت الاستعدادات للدخول المدرسي الحالي، وفي مقدمتها توسيع العرض المدرسي، وتعزيز شبكة مدارس وإعداديات الريادة، والرفع من مستوى التحكم في التعلمات الأساس لدى المتعلمات والمتعلمين، فضلا عن توسيع برامج الدعم التربوي والاجتماعي.
كما تم التطرق إلى الجهود المبذولة لمحاصرة ظاهرة الاكتظاظ وتحسين ظروف التمدرس بمختلف أقاليم جهة فاس-مكناس، وهي قضايا تظل في صلب اهتمام الأسر والأطر التربوية والرأي العام، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بجودة العملية التعليمية وبمستقبل التلميذ المغربي.
وقد عزز مساعد مدير الأكاديمية هذه المعطيات بعرض مفصل حول المشهد التربوي بالجهة، مدعوما بالأرقام والإحصائيات والمبيانات المتعلقة بمؤشرات الدخول المدرسي وتطور العرض المدرسي وأعداد المتعلمات والمتعلمين، إلى جانب حصيلة تنزيل مشاريع الإصلاح والبرامج التربوية والاجتماعية.
غير أن أهمية هذه الندوة لم تكمن فقط في تقديم الأرقام والمعطيات، بل تجلت كذلك في فتح باب النقاش أمام الصحافيات والصحافيين، الذين أثاروا عددا من القضايا المرتبطة بتوسيع العرض المدرسي وتحقيق العدالة المجالية، ودور مدارس وإعداديات الريادة في الرفع من مستوى التحكم في التعلمات الأساس، وآليات الدعم الاجتماعي، وأدوار جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ، فضلا عن صيانة المؤسسات التعليمية وتأهيلها.
وهنا تبرز أهمية الخطاب الإعلامي المسؤول عند تناول قضايا الدخول المدرسي. فالإعلام، وهو يمارس حقه المشروع في مساءلة المسؤولين وكشف الاختلالات ونقل انشغالات المواطنين، مطالب في الوقت نفسه بالتحري والتدقيق والاعتماد على المعطيات الموثوقة، بعيدا عن التهويل أو الإثارة أو إصدار الأحكام المسبقة.
فالمدرسة العمومية ليست مجرد موضوع عابر يصلح للعناوين المثيرة، بل هي مؤسسة مجتمعية كبرى ترتبط بها حياة ملايين الأسر ومستقبل أجيال بأكملها. ولذلك فإن أي خطاب إعلامي حول التعليم ينبغي أن يستحضر حساسية هذا القطاع، وأن يوازن بين حق المواطن في معرفة الحقيقة وبين واجب حماية الثقة في المؤسسات التربوية.
ولا يعني الإعلام المسؤول تلميع صورة الواقع أو التغاضي عن الاختلالات، كما لا يعني تحويل كل مبادرة إيجابية إلى إنجاز استثنائي دون تقييم موضوعي. وإنما يعني، أساسا، تقديم الحقيقة كاملة: الإشارة إلى المنجزات، والوقوف عند النقائص، والاستماع إلى مختلف الأطراف، وطرح الأسئلة التي تشغل بال الرأي العام، ثم تقديم المعلومة في سياقها الصحيح.
إن الحديث عن مدارس الريادة، مثلا، يقتضي من الإعلام أن يتجاوز منطق الأحكام الجاهزة، سواء تلك التي تقدم المشروع باعتباره نجاحا مطلقا، أو تلك التي تحكم عليه بالفشل قبل الوقوف على نتائجه ومعطياته الميدانية. فالصحافة المهنية مطالبة بالبحث والتحقيق والاستماع إلى المدرسين والمديرين والتلاميذ والأسر والمسؤولين، حتى تقدم للرأي العام صورة متوازنة تساعده على فهم الواقع كما هو.
كما أن الحديث عن الاكتظاظ أو الخصاص في الموارد البشرية أو وضعية البنيات التحتية يقتضي بدوره خطابا إعلاميا يفرق بين الحالات المعزولة والمشكلات البنيوية، وبين ما هو محلي وما هو جهوي أو وطني، وبين المسؤوليات المباشرة والإكراهات الموضوعية التي تواجه المنظومة التعليمية.
ومن هنا، فإن تنظيم أكاديمية جهة فاس-مكناس لهذه الندوة الصحفية يكتسي أهمية بالغة، لأنه يفتح المجال أمام التواصل المباشر بين المؤسسة التربوية ووسائل الإعلام، ويتيح للصحافيين فرصة الحصول على المعطيات من مصادرها الرسمية، وطرح الأسئلة التي تهم الرأي العام، ومناقشة القضايا المرتبطة بالدخول المدرسي بكل وضوح ومسؤولية.
وقد تفاعل مدير الأكاديمية، خلال اختتام أشغال الندوة، مع مختلف تساؤلات الصحافيات والصحافيين، مقدما توضيحات ومعطيات مدعمة بالأرقام والمؤشرات، ومبرزا التدابير والإجراءات المتخذة من أجل ضمان دخول مدرسي ناجح ومواصلة تنزيل أوراش الإصلاح والارتقاء بجودة التعليم بالجهة.
إن ترسيخ ثقافة التواصل والشفافية داخل المؤسسات التعليمية والإدارية أصبح اليوم ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصا في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي وسرعة تداول الأخبار والمعلومات، سواء كانت دقيقة أو غير دقيقة. فغياب المعلومة الرسمية أو تأخرها قد يفتح المجال أمام الإشاعات والتأويلات، بينما يساهم التواصل المنتظم والواضح في بناء الثقة وتصحيح المغالطات.
وفي المقابل، يبقى الإعلام مطالبا بتحمل مسؤوليته في التعامل مع المعطيات المتداولة، وعدم الانسياق وراء الأخبار غير المؤكدة أو الصور والمقاطع المجتزأة التي قد تقدم واقعا مشوها عن المدرسة المغربية.
إن الدخول المدرسي ليس مجرد حدث إداري يتكرر كل سنة، بل هو محطة وطنية ومجتمعية تستحق مواكبة إعلامية جادة ومسؤولة. فالنجاح في إصلاح المدرسة لا يرتبط فقط بالمشاريع والبرامج والميزانيات، بل يحتاج أيضا إلى خطاب إعلامي واع بأهمية التربية والتعليم، قادر على النقد البناء، وعلى نقل الحقيقة دون تهويل أو تبخيس.
وبين مسؤولية المؤسسة في توفير المعلومة والتواصل بشفافية، ومسؤولية الصحافة في البحث والتحري والنقد الموضوعي، يمكن بناء علاقة قائمة على الثقة والشراكة لخدمة قضية واحدة، هي الارتقاء بالمدرسة العمومية وتحسين ظروف تعلم أبناء وبنات جهة فاس-مكناس.
إن الندوة الصحفية التي نظمتها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة فاس-مكناس بمناسبة الدخول المدرسي 2026-2027 تؤكد أن التواصل المؤسساتي لم يعد ترفا، بل أصبح أحد الشروط الأساسية لمواكبة الإصلاح التربوي. كما تؤكد أن الإعلام المسؤول ليس إعلام الصمت عن الاختلالات، ولا إعلام الإثارة والتشهير، وإنما هو إعلام الحقيقة، والنقد البناء، والاقتراح المسؤول.
فهل يستطيع الخطاب الإعلامي، وهو يواكب الدخول المدرسي وأوراش الإصلاح، أن يجعل من المدرسة قضية مجتمعية تتجاوز البحث عن الإثارة العابرة، لتصبح موضوعا للنقاش الجاد والمسؤول؟
ذلك هو الرهان الحقيقي: إعلام مهني ومسؤول ينقل الحقيقة، ومؤسسة منفتحة تتواصل بشفافية، ومدرسة عمومية تستحق من الجميع أن تكون قضيتها الأولى.

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.