
فاطمة لمحرحر
باحثة في العلاقات الدولية
تميزت العقود الثلاث الأخيرة في المغرب، بتنامي البعد الهوياتي في مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، نتيجة جملة من التحولات الكبرى التي أفرزها التحول الديمقراطي على المستوى الإقليمي. الأمر الذي سيساهم في بروز الهويات الوطنية والاستثناءات الثقافية، وخلق نوع من الأزمة الهوياتة خاصة على المستوى التنصيص الدستوري.
فكما نعلم أن الدساتير السابقة في المغرب ( 1962-1970-1972-1992-1996) وعلى الرغم من انخراطها في الدستورانية المعاصرة بمعاييرها ومؤسساتها وآلياتها وإقرارها بكيفية شاملة الحقوق الأساسية للمواطنين، والتأكيد على تشبت المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا (دستوري 1992-1996)، الأمر الذي تجسد عمليا بمصادقة المغرب على عدد من الاتفاقيات الدولية؛ غير أن قضية الهوية الثقافية للمغرب ظلت ناقصة وغير واضحة ولا تعبر عن كل المكونات والروافد الثقافية، في ظل تلك الدساتير.
وفي هذا المنحى، ساعد الربيع العربي على تجلي هذه الأزمة ووضوحها، في ظل الحركات الاحتجاجية المطالبة بالديمقراطية وحقوق الإنسان؛ ومن هذا المنطلق ساهمت الحركة الأمازيغية في إثارة النقاش حول الهوية الثقافية، خاصة مع غياب البعد الثقافي في برنامج بناء الدولة الوطنية وتحديد مفهوم الهوية الوطنية وحصره في شكله التقليدي على ثنائية العروبة والإسلام في إغفال تام للمكونات الأخرى، (الثقافة الأمازيغية والحسانية..) التي لم تكن حاضرة في أجندة الدولة أنذاك.
ومن خلال استقراء بنود دستور سنة 2011، نجد أن هذا الدستور أعادة تعريف الهوية الثقافية المغربية من خلال الاعتراف بغنى وتنوع الهوية المغربية وانصهار مكوناتها الأساسية العربية والإسلامية والأمازيغية والصحراوية والحسانية، مع الإقرار بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة، في ظل التأكيد على تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية.
واستنادا إلى هذه الأسس، فقد تولى الدستور التطرق في الفقرة الثالثة من الفصل الأول إلى الثوابت الجامعة للأمة والحياة العامة والمتمثلة في الدين الإسلامي والوحدة الوطنية المتعددة الروافد والملكية الدستورية والاختيار الديمقراطي، وهذه الثوابت تشكل الهوية المغربية وتحتاج باستمرار لتوضيحها للأجيال المتعاقبة والتذكير بها في كل دستور جديد، كما حرص على تحصينها من أي مراجعة دستورية.
ومن جهة أخرى، شكل تنصيص دستور 2011 على اللغة الأمازيغية كلغة رسمية للدولة باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، على أن يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل طابعا الرسمي وكيفية إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية (الفصل 5)، منعطفا غير مسبوق في الاعتراف بالهوية واللغة الأمازيغيتين.
علاوة على ذلك، حرص دستور 2011 على التأكيد أن الهوية الصحراوية مكون من مكونات الهوية الثقافية المغربية، كما أعلنت الدولة من خلال الوثيقة الدستورية على ضرورة النهوض بكافة تعبيراتها اللغوية والثقافية وفي مقدمتها اللغة الحسانية.
وهكذا، فإن الاعتراف الدستوري بالهوية الثقافية يشكل خطوة مهمة لترقية كل المكونات الثقافية والانتقال بها إلى مجال السياسات العمومية للدولة؛ غير أن الطريقة التي عالج بها المشرع المغربي قضية الهوية الثقافية وفي ظل رياح الربيع، أثارت مجموعة من الملاحظات الشكلية والجوهرية؛ من حيث كيفية تفعيلها في السياسة العامة للدولة، مما قد يخلق نوعا من الغموض والارتباك في المشهد الثقافي على وضع سياسية هوياتية ثقافية واضحة.
ونخلص من واقع الحال إلى فكرة مفادها، أن دستور 2011 وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي تميز به عن الدساتير السابقة، فيما يخص دسترة مسألة الهوية الثقافية، إلا أن غموضا وأوجه ضعف اعترت هذه الوثيقة.
وفي ظل هذه الوضعية، فإن سن سياسة لغوية وثقافية واضحة ومتزنة ومنسجمة مع المقتضيات الدستورية، أصبح مطلبا مستعجلا لتجسيد التنوع والغنى الثقافي، ومن أجل خلق مناخ مناسب ومتوازن بين مختلف مكونات الهوية الثقافية للمغرب.
وبناء على ما ذكر، يمكننا القول أن مسألة الهوية الثقافية في المغرب تتسم بالتعقيد والالتباس، الأمر الذي يتطلب توفير المزيد من الضمانات والآليات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بتحقيق نموذج هوياتي متكامل، والعمل على إقرار المزيد من الإجراءات التي تخدم بروز الهوية الثقافية المغربية بكل مكوناتها، خاصة من خلال تعبئة وسائل الإعلام العمومية والخاصة والمؤسسات التربوية.