زوبدي يكتب : التغيرات المناخية ترسم معالم مجال جديد

0

التغيرات المناخية ترسم معالم مجال جديد

بقلم : نورالدين زوبدي

بدون شك ، تلعب التغيرات المناخية تحولا عميقا ، شمل دولا عديدة ، حيث لم تسلم منه حتى بلدان الشمال الغنية بمورادها المائية ، و فصولها الممطرة .المغرب البلد المتوسطي الذي شيد سدودا عديدة ، بفعل حنكة المغفور له الراحل الحسن الثاني ، لم يفلح في تدبير موارده المائية ، بالشكل السليم والمستدام ، مما جعله يعيش حالة جفاف حادة ، قد تكون لها تأثيرات بنيوية على مجاله الترابي .

إن التراجع الكبير في مخزون الأحواض ، و إندحار الفرشة المائية ، بالإضافة إلى التدبير غير المقتصد للماء ، والتنبؤات الخاطئة للتساقطات المطرية ، بفعل التغيرات المناخية الحاصلة ، جراء تصرف الدول المصنعة التي لا تحترم البيئة ، والمتمادية في الاخلال بالاتفاقيات الدولية ، الرامية إلى التقليص من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، سيجعل بلادنا تعيش أحلك السنوات ، وتغيرات مجالية ، سيكون لها الأثر البليغ على التنمية والاستقرار ببعض المناطق .

القطاع الأول المتضرر من هذه التغيرات المناخية ، هو القطاع الفلاحي ، حيث تحولت مناطق شاسعة كانت محسوبة على السهل المنتج للثروات الغذائية، والمشغلة للالاف من اليد العاملة ، إلى اراض قاحلة ، رغم كل الاستثمارات التي احتضنتها، وفي مقدمتهامشاريع المخطط المغرب الأخضر ، برنامج الكهربة القروية ، برنامج تعميم التزود بالماء الصالح للشرب ، برنامج التقليص من الفوارق المجالية ، الشيء الذي سيجعلها غير مؤهلة لاحتضان ساكنتها ( الهجرة القروية ) .

ان تراجع السهل و توقفه عن الإنتاج، سيخلق أزمة في الصناعة الغذائية، بفعل التراجع الحاد في المواد الأولية(الشمندر ، الحليب ، القمح ، الحوامض ، الزيتون ….) ، مما سيؤدي إلى إغلاق معامل كبرى مشغلة لليد العاملة ، و محركة للاقتصاد الجهوي والوطني .

المجال الجديد يقتضي وضع المخططات الوطنية والجهوية لإعداد التراب ، التي تعتبر الماء الركيزة الأساسية في تحقيق التنمية ، و المحور المركزي الذي تبنى حوله كل السياسات ، ولذلك لابد من إعادة صياغة هذه المخططات أو تحيينها ، لتكون ملائمة مع الوضع المتغير باستمرار.

إذن ، ماهي معالم هذا المجال الجديد ؟

يعتبر المنفذ الى البحر ، اهم الحلول الراهنة التي يجب الاستثمار فيها ، من أجل توفير الماء الصالح للشرب للمدن ، و الاحتفاظ بمياه السدود للفلاحة ، وتدبيره بطرق عصرية ، تجعله اكثر مردودية للدولة والفلاح .

إن التسريع بتحلية مياه البحر ، و تشجيع البحث العلمي في هذا الشأن ، يعتبران المدخل الأساس، لبناء مجال ترابي متكامل ، يستهدف ضمان ديمومة التزود بهذه المادة الحيوية ، التي تعتبر أساس كل تنمية ، مهما كانت طبيعتها .

مما لا شك فيه ، أن اعتبار جهة ما بالجهة الفلاحية ، في ظل هذه المتغيرات ، سيعرض ساكنتها إلى الضرر ، الناتج عن الكساد الفلاحي ، بسبب شح الموارد المائية ، لذلك ، لابد من إعادة النظر في توزيع المشاريع المهيكلة وتنوعيها، حتى تصمد في وجه التغيرات المناخية وغيرها .

* الجهوية المتقدمة والمجال الجديد

إن نجاح مشروع الجهوية المتقدمة رهين بالتأقلم الجيد مع التحولات الحاصلة ، و جعل كل جهة لها موراد متنوعة (فلاحية ، صناعية ، سياحية ، خدماتية …..) ، حتى تتمكن من خلق اقتصاد جهوي متكامل ومندمج في الاقتصاد الوطني، ولن يتحقق ذلك إلا
بالربط السككي بين المناطق الداخلية والموانيء ، دعم تشغيل المطارات المعطلة ، و استكمال الطرق السيارة ، بإعتبارها الأدوات الكفيلة بإنشاء صناعات وأنشطة بالمناطق البعيدة عن البحر ، والتي ستخلق مناصب للشغل والثروة .

*اقتصاد جهوي منافس

جاذبية المجال الترابي الجديد ، تستلزم رؤية جهوية شمولية للاقتصاد الجهوي ، بالشكل الذي سيجعله منافسا لاقتصاد الجهات الأخرى، وذلك بالاعتماد على نقط القوة والمؤهلات الطبيعية والبشرية التي تتمتع بها الجهة ( مغرب الجهات = المشروع التنموي الجديد ) .

إن الرفع من الناتج الداخلي الخام للجهة ، يقتضي المحافظة على المكتسبات المحققة بفعل المخططات التنموية السابقة، وبتدبير سليم للموارد المائية ، بالإضافة الى وضع معايير معقولة لاحتسابه ( موقع الإنتاج وليس المقر الاجتماعي ) ، فلا يعقل أن تستفيد جهات ما من إنتاج جهة معينة بدعوى أن المقر الاجتماعي يوجد على اراضيها .

* مركز للجهة مؤهل لاحتضان أنشطة اقتصادية مهيكلة

إن تأهيل مركز الجهة ، بالشكل الذي سيجعل منه قطبا اقتصاديا مهما على الصعيد الوطني ، سيكون له الاثر البالغ على اقتصاد الجهة ، لأنه سيلعب دور المُجمع والوسيط بين المناطق المشكلة للجهة وباقي الجهات بالمملكة .

وفي هذا الإطار، يمكن أن نقترح إنشاء الموانئ الجافة ، التي تمكن من فك عزلة الجهات البعيدة عن الشواطئ، وتقريب الخدمات الجمركية ، لممارسة التجارة الدولية ، و تصدير السلع المتنوعة المصدر (فلاحية ، معدنية ، مصنعة، تقليدية … ) .

كما يمكن توفير البنيات الفندقية اللازمة لاحتضان زيارات رجال الأعمال، وإقامة الندوات واللقاءات الوطنية والدولية .

المركز الجهوي المنافس لابد له كذلك من قطب صحي وجامعي ، يضاهي باقي العواصم الجهوية الأخرى، حتى يتمكن من توفير كل الأساسيات الضرورية لتشكيل مجال جديد محتضن لأنشطة اقتصادية مهيكلة .

التغيرات المناخية صارت مُعطى جديدا في اعداد المخططات التنموية ،ولعبت دورا حاسما في تغيير التصورات والمقاربات التنموية المعتمدة ،كما فرضت التخلي عن النظرة التقليدية ، التي تعتمد على التقسيم كأساس لتطوين المشاريع .

المجال الجديد المتغير يتطلب التنويع والتجديد في المقاربات التنموية الجهوية ، التي توظف الخصوصيات والمؤهلات ، وتأخد كل السيناريوهات المحتملة مناخيا، فلا يمكن المراهنة على قطاع واحد لتحقيق تنمية منتجة لفرص الشغل ، و ذات جادبية للاسثتمار .

إن أي تصور تنموي جهوي لابد له من منطلقات ، أولها دراسة علمية للمجال ، حتى يستطيع القائمون على تنزيله وضع المخططات والبرامج فوق أرضية صلبة ، قادرة على إخراج أهدافها سليمة إلى أرض الواقع .

ads
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.