وثيقة المطالبة بالاستقلال

0

عاد الطاهر ذات مساء سنة 1944م من المدرسة فوجد جده جالسا مع أهل حيه يتبادلون أخبار الوطنيين المغاربة الذين استشهدوا في سبيل استقلال المغرب، فجلس إلى جانبه يحاول أن يعرف ما جَـدَّ في ذلك اليوم من أحداث. وبعد إلحاح منه أجابه جده وقد تغير لونه، واصطكت أسنانه، وجف ريقه قائلا في خوف: عندما أعود إلى المنزل سأحكي لك عن حدث عظيم أرْعَــد يوم أمس فرائص فرنسا وأربك حساباتِها وقضَّ مضاجعها. انزوى العربي في اندهاش يحاول أن يعطي لذلك الحدث صورة تنسجم مع مظاهر الخطورة والجلال والقوة، وانْـثالَتْ على مخيلته عملياتٌ فدائية جريئة راح ضحيتها مجموعة من الفرنسيين والفدائيين المغاربة في نهاية الثلاثينات، فقال: أنا في انتظارك يا جدي ، لا تتأخر في الوصول. لن أنام حتى تسرد لي ما وقع. انطلق العربي مذهولا إلى المنزل. طفق ينتظر جده بفارغ الصبر ويُـزْجي قدومَه بتلاوة آيات من القرآن الكريم بصوت أجـش. بعد مدة زمنية كأنها الدهر عاد الجد بوعبيد إلى بيته ، وتحلق حوله أحفاده، وشرع يحكي لهم عن جزء من ملحمة الكفاح الوطني التي خاضها المغرب من أجل الحرية والانعتاق والاستقلال وتحقيق السيادة الوطنية والوحدة الترابية.
وثيقة المطالبة بالاستقلال
قال الجد بوعبيد : إن جلالة السلطان محـمد الخامس قدم إلى سلطات الحماية الفرنسية يوم 11 يناير 1944م وثيقة اسمها: “وثيقة المطالبة بالاستقلال” ، اعتبرها المؤرخون ثورة كبيرة على الاستعمار الفرنسي، وتعبيراً جليا عن إرادة المغاربة القوية في الدفاع عن حقوقهم المشروعة في تقرير مصيرهم وتدبير شؤونهم بأنفسهم وعدم إِذْعانِهم لإرادة المستعمر. ظهرت علامات الدهشة والاستغراب على الطاهر، فتطلع إلى جده في فضول زائد وقال: ما المقصود بوثيقة المطالبة بالاستقلال؟ هل تعني أن السلطات الاستعمارية ستمنح المغرب استقلاله؟ قهقه الجد، وطفق يحرك رأسه في إعجاب، وبعد هُـنَيْهَة ركَّز عينيه على الطاهر وقال: وثيقة المطالبة بالاستقلال هي وثيقه قدمها زعماء وقادة الحركة الوطنية إلى السلطان محـمد الخامس، ثم إلى الإقامة العامة الفرنسية في شخص المقيم العام الفرنسي غابرييل بيو يوم 11 يناير 1944م، يطالبون فيها باستقلال المغرب. نوقشت فقرة فقرة وجملة جملة أثناء جلسات مطولة بين محـمد الخامس وبعض ذوي الرأي من كبار المسؤولين في الحزب الوطني الذي أصبح يسمى فيما بعد بحزب الاستقلال. وقد عُـرِضَت على إمضاء وتوقيع مجموعة من الوطنيين بمدينة فاس بعد أن أدخل عليها السلطان محمد الخامس مجموعة من الإضافات والتعديلات. اختطف المهدي نظرة من مُحَيَّا جده، كمن يريد استضاءة، وقال بانفعال زائد: ماذا كان ردُّ فعلِ سلطات الحماية الفرنسية على عريضة المطالبة بالاستقلال؟

قمع واعتقالات
انتفض الجد بوعبيد صارخا: الله أكبر ! يا سلام ! ما أمتع أسئلتك ! بعد تقديم هذه الوثيقة امْتَعَـضت فرنسا، ولم تتقبل ذلك الاتحاد العظيم والانسجام الكبير بين السلطان والقيادة والقاعـدة الشعبية الاستقلالية، فشرعت في سن سياسة القمع الوحشية؛ حيث قامت بمحاكمات صورية، ووزعت أحكاما جائرة بسخاء على المئات من المواطنين بلغت حد الإعدام، واعتقلت كثيرا من الشخصيات الوازنة في حزب الاستقلال ، وحزب الشورى والاستقلال مثل: محـمد اليزيدي ، ومحـمد بلافريج أمين عام حزب الاستقلال . كما هزت المظاهرات والاحتجاجات والانتفاضات البلاد لا سيما في مدن كبرى كالدار البيضاء وفاس، وأدانت المحاكم العسكرية عدداً كبيراً من المقاومين حتى الموت، مما أدى إلى غضب شعبي عارم وإدانة شديدة في صفوف الشعب والموقعين على الوثيقة لتتأجج موجةٌ شعبيةٌ لم تجد نهايتها إلا مع نهاية الحماية والاستقلال السياسي للمغرب. وبعد أسبوع على المطالبة بالاستقلال انزعجت فرنسا، فقابل ممثلها العسكري بالمغـرب “غابريال بيو” جلالة السلطان محـمد الخامس وأبلغه بأن فرنسا لا توافق على أي تغيير في معاهدة الحماية، وأنْ لفرنسا وحدها الحقُّ في اقتراح الإصلاحات التي تراها ضرورية. استولت على خديجة موجة من الذهول هـزَّتْ خلجاتِها حتى الأعماق، وتساءلت في شغف: أين حررت وثيقة المطالبة بالاستقلال؟

تحرير الوثيقة

أجاب الجد بوعبيد في لهجة تشوبها رَنَّـة إعجاب: حُـرِّرت الوثيقة بمنزل الحاج أحمد مكوار الذي يوجد في ساحة البطحاء بمدينة فاس. كانت جدران وغرف ومَمَرَّات هذا المنزل شاهدة على اجتماعات عديدة عقدها هناك العديد من رواد الحركة الوطنية في سرية تامة، وكان من نتائجها صياغة وثيقة تاريخية تطالب السلطات الاستعمارية بمنح المغرب استقلاله هي: وثيقة المطالبة بالاستقلال.
في هذا المنزل يا حفيدي، كُـتِـب جزء من تاريخ المغاربة، وتاريخ حركة التحرر في المغرب. كان هذا المنزل يا حفيدي ، مَحَطَّ الأنظار ولا سيما بعد أنِ اجتمع فيه ساسة وتجارُ المدينة عقب الحريق الانتقامي الذي أتى على الأخضر واليابس من متاجرهم في قيسارية “الكفاح”، وأدى إلى قطع أرزاقهم وتشرد أبنائهم. ظل هذا المنزل يا حفيدي ، يحظى برمزية وطنية وتاريخية لدى عموم المغاربة، وتعزز ذلك بتدشين نصب تذكاري أمامه من قبل الملك محـمد السادس حينما كان وليا للعهد في 11 يناير 1994م. وقد نُـقِـشَ في هذا النصب التذكاري الذي يتواجد في ساحة الاستقلال حسب التسمية الحالية شكلٌ عملاقٌ شبيهٌ بوثيقة المطالبة بالاستقلال، نٌقِشت فيه نفس العبارات التي كُـتِـبَـت في الوثيقة الأصلية ، في دلالة صارخة إلى رمزية المكان في حقبة مهمة من تاريخ المغرب. هذا المنزل يا حفيدي ، تم تسجيله ضمن الآثار والتراث، وبذلك لا يمكن هدمه أو إحداث أي تغيير في شكله العام كيفما كانت طبيعته إلا بترخيص من وزارة الثقافة. داخل هذا المنزل يا حفيدي ، صدحتْ دعواتٌ في عدة مناسبات تنادي بتحويله إلى متحف يجمع أرشيف وصور تاريخ المقاومة والمقاومين المغاربة. لكن هذه الفكرة لم تجـدْ طريقها إلى الوجود لحد الآن. جلست رقية على المتكإ تتابع القصة باهتمام زائد وقالت: من هو الحاج أحمد مكوار؟

الحاج أحمد مكوار

ابتسم الجد، وطَـبْـطَـبَ على كتف رقية بحنان، وأجاب برصانة ووثوق: الحاج أحمد مكوار (1892م – 1988م) رائد من رواد الحركة الوطنية، وأول من وَقَّع على وثيقة المطالبة بالاستقلال. عاصر خلال شبابه توقيع معاهدة الحماية في 30 مارس 1912م وأحداث فاس الدامية التي جرت بعدها مباشرة. انخرط في العمل الوطني مبكرا؛ حيث تعرف على بعض رواد الحركة الوطنية وعلى رأسهم الزعيم الاستقلالي علال الفاسي. وكان من المشجعين على قراءة اللطيف في جامع القرويين بعد صدور الظهير البربري يوم 16 ماي 1930م. اعتقلته وسجنته سلطات الحماية الفرنسية عدة مرات ، ونفته إلى أماكن مختلفة من التراب الوطني. ارتسمت على شفتي المهدي ابتسامة ذات معانٍ وقال: كم كان عدد الموقعين على الوثيقة؟ سـوَّى الجد من جلسته، وأخذ سبحته ووضعها في عنقه، ثم أخذ يذكرهم واحدا واحدا وكأنه يتهجى الحروف الأبجدية العربية: بلغ عدد الموقعين على الوثيقة ستةً وستين شخصا منهم على سبيل المثال: الحاج أحمد مكوار، أحمد بلافريج، محمد اليزيدي، الحسن بن جلون، أبو بكر القادري، المهدي بن بركة، عمر بنشمسي قاسم الزهيري، أحمد المنجرة، أحمد الحمياني ختات، محمد غازي، عبد الله إبراهيم، قاسم بن عبد الجليل، محمد الفاسي، محمد الحمداوي… تطلعت رقية إلى جدها ، ورَنَـتْ إليه في صمت وإشفاق ، وأخيرا قالت: لاحظْتُ أن الموقعين على الوثيقة كلهم رجال. ألا توجد يا جدي، نساء وطنيات من بين الموقعين؟ رفع الجد عينيه وألقى على رقية بنظرات عريضة وقال: يا حفيدتي ، إن المرأة المغربية لعبت دورا كبيرا في سبيل نيل المغرب لاستقلاله. ومليكة الفاسي واحدة من أبرز النساء الوطنيات. كيف لا ؟ وهي الموقّعة الوحيدة على عريضة المطالبة بالاستقلال. شاع الصمت في الغرفة وكأن المهدي هاله ما سمع عن جرأةِ امرأةٍ أُدْرِجَ اسمها ضمن لائحة من الأسماء الرجالية، من بينهم معلمون، وعلماء في العلوم الإسلامية، وتجار، وحرفيون، وفلاحون، وقضاة، ونقابيون، ثم قال: ألَمْ يعترضِ الرجالُ على توقيعها؟ نظر الجد إلى أعين أحفاده فوجدها شاخصة إليه ما عدا عائشة التي كانت في عتبة الكرى ثم رد بصرامة : لا أحد ممن سبقوا إلى التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال، عارض فكرة وجود امرأة بينهم لأن مليكة الفاسي كانت من القلة المتعلمة من بنات العائلة في وقت لم يكن مسموحًا فيه للفتيات بالتعلم. ونظرا لمكانتها دُعِـيَـتْ لتكون ضمن الموقعين على هذه الوثيقة. أخذت نزوة الفضول تعاود المهدي فالتفت إلى جده وقال: أين تم التوقيع على هذه الوثيقة ؟ تفَـرَّس الجد بلهف في وجه المهدي وقال: اجتمع الموقعون في سرية تامة في مخبإ خاص داخل القصر الملكي بالرباط ، كان قد بني كملجإ من الغارات الجوية المحتملة، وأقسموا أمام المصحف على كتمان السر والعمل على النضال حتى تحقيق الاستقلال. بعد سقي الشاي وتناول وجبة العشاء توجهت زهرة نحو جدها: كم كان سن الموقعين على العريضة؟ سَـوّى الجد من جلسته وأخرج من جيبه سُبحته، وقال وهو يحرك رأسه من أسفل إلى أعلى: – ثلثا الموقعين كان عمرهم أقل من أربعين سنة. – حوالي عشرين موقعا كان عمرهم حوالي ثلاثين سنة. – حوالي خمسة أو ستة موقعين تجاوزوا سن الخمسين. وهذا يا حفيدي ، إنْ دل على شيء فإنما يدل على أن الوعي السياسي لدى الشباب كان حاضرا ومرتفعا في فترة الاستعمار.
في هذه اللحظة تزاحمت أنفاس زهرة وضاقت كأنها محاصرة في أعالي السماء ثم قالت: ألَمْ يطالبِ المغرب باستقلاله قبل 11 يناير 1944م؟ سكت الجد وهو ينظر إلى الأسفل كأنه يتابع حوارا داخليا. ثم رفع رأسه ، وبعد نحنحات متتالية قال واثقا: نعم يا زهرة، إن محمد الخامس سبق أن طالب باستقلال المغرب خلال مؤتمر انعقد بفندق آنفا بمدينة الدار البيضاء يوم 14 يناير 1943م ، حضره الرئيس الأمريكي فْـرانْكْلين روزْفُـلْـت، ورئيس الوزراء البريطاني وِنْـسْـتون تشرشل، والجنرالان الفرنسيان شارل ديكول وهنري جيرو … ومحمد الخامس، وولي عهده آنذاك الحسن الثاني. وقد اغتنم السلطان محمد الخامس فرصة احتضان المغرب لهذا المؤتمر لطرح قضية استقلال المغرب أمام قادة الحلفاء (الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، بريطانيا). وهو الأمر الذي تفاعل معه الرئيس الأمريكي روزْفُـلْـت بإيجاب. حيث عبر عن دعمه وتأييده لاستقلال المغرب. وهو الشيء الذي لم تتقبله ولم تستسغه فرنسا. إن هذا المؤتمر يا حفيدتي ، كان بردا وسلاما على بلدنا العزيز. وبعده بسنة هيأت نخبة من الوطنيين عريضة المطالبة بالاستقلال التي حدَّثْـتُـكم عنها. تهلل وجه المهدي لهذا الكلام وسأل جده بإعجاب: لِــمَ اجتمعت دول الحلفاء بالضبط في مدينة الدار البيضاء بالمغرب ولم تجتمع في دولة أخرى؟ هل للمغرب رمزية أو مكانة معينة لدى هذه الدول؟ جـحِـظ الجد بعينيه، ولفه شرود كأنه يصغي لخفقات قلبه وقال: تثيرني أسئلتك لأنها أكثر من سنك ! إن اختيار مدينة الدار البيضاء لاحتضان مؤتمر آنفا لم يكن عبثا واعتباطا ، بل إن الاختيار كان رمزيا بالنسبة للأمريكيين لسببين: أولهما أن المغرب هو أول من اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وثانيهما أن المغرب شارك في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء بعد موافقة السلطان محمد الخامس على إرسال جنود مغاربة إلى الجبهات الأروبية. سيطرت على الغالي حيرة سدت عليه منافذ أنفاسه. دنا من جده وعيناه تستجديان معرفة المزيد عن وثيقة المطالبة بالاستقلال وسأل جده: ما هي الظروف التي مهدت للتفكير في صياغه هذه الوثيقة؟ أخذ الجد يفرك جبهته بقوة وكأنه بتلك الحركة يحاول أن يتخلص من هم ضاق به صدره، وقال: بعد فرض الحماية على المغرب خاض المغاربة معارك ضارية في السهل والجبل؛ حيث اندلعت المقاومة في البوادي في كل من الريف والأطلس المتوسط والأطلس الكبير والصغير وفي الجنوب، واستمرت إلى غاية سنة 1934م، لكنها توقفت لأسباب عديدة لا يتسع المجال لذكرها. وعندما لاحظت السلطات الفرنسية ذلك التحالف والتآلف والانسجام بين الأمازيغ والعرب حاولت التفريق بينهم بإصدار ظهير عُـرِف بالظهير البربري مكرسة بذلك
سياسة “فَـرِّقْ تَـسُـدْ”. وهو الظهير الذي أطلق عليه رجال المقاومة “الظهير التمييزي”. وبعد أن ظنت فرنسا أنها استولت على المغرب بشكل عام ظهرت مقاومة جديدة في المدن قادها زعماء الحركة الوطنية ألَا وهي: المقاومة السياسية. وفي سنة 1934م قدم رجال الحركة الوطنية إلى السلطات الفرنسية وثيقة عُـرِفت ب “وثيقة المطالبة بالإصلاحات” طالبتْ من خلالها السلطات الفرنسية بالقيام بمجموعة من الإصلاحات. لكن فرنسا ظلت وفية لسياستها الاستعمارية ولم تُـعِـرْ هذه المطالب أي اهتمام، وطاردت المقاومين في البوادي والمدن واعتقلتهم ونفتهم ونَـكَّـلتْ بهم وأثبتتْ لهم من خلال مجموعة من الممارسات البشعة أن الاستعمار لا يريد الإصلاح مما جعل الوطنيين يرفعون سقف المطالب من خلال المطالبة بالاستقلال.
×××××××××××××
كان الغالي يفكر فيما يسمع لكن في اتجاه آخر. من الواضح أنه لم يقتنع بالقوة السحرية التي شجعت الوطنيين المغاربة على المطالبة بالاستقلال، فسأل في ابتسامة من يرتاب فيما يسمع وقال لجده وهو يشد على قبضتيه: أعتقد أن هناك عوامل أخرى كان لها الأثر البالغ في انبعاث الوعي لدى الوطنيين بالاستقلال والتحرر. ابتسم الجد وهو يدعك ذقنه بحركات دائرية وقال: ما أعظم فطنتك ! فعلا هناك أحداث هامة دفعت الوطنيين المغاربة إلى التفكير في التحرر والاستقلال: أولاها: هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية؛ حيث أصبح الوطنيون المغاربة بعد هذه الهزيمة يشككون في قوة فرنسا، ويحلمون أن فرنسا قد تخرج من الحرب خاوية الوفاض؛ أي بدون مستعمرات. وهذا الاعتقاد الراسخ جعلهم يتحررون رويدا رويدا من عقدة الهزيمة التي لحقت بهم من سنة 1912م إلى سنة 1934م. ثانيها: نزول جيوش الحلفاء بالمغرب في نونبر 1942م؛ حيث أصبح الوطنيون المغاربة يلمسون أن مصير المغرب ليس مرتهنا بفرنسا وحدها، ولكن بإنجلترا وبأمريكا خاصة. ثالثها: استقبال الرئيس الأمريكي روزفلت للسلطان محمد الخامس خلال مؤتمر آنفا بالدار البيضاء. ما أروع هذا اللقاء ! صدفة فريدة ! لأول مرة يتحدث محمد الخامس مع رئيس دولة دون واسطة المقيم العام الفرنسي. من الأكيد أن الأقدار الإلهية تسوق أمريكا للمغرب وفق حكمه عليا. حينذاك استوى الغالي واقفا وسأل جده: ما الذي دار بين محمد الخامس وروزفيلت خلال انعقاد مؤتمر آنفا؟ رَدَّ الجد وهو أشد حماسة: لقد بدا السرور واضحا على محيا الملك بعد مقابلة الرئيس الأمريكي روزفلت. تناسلت روايات كثيرة عن هذه المقابلة حتى إن البعض زعم أن الرئيس الأمريكي أوصى السلطان محمدا الخامس بألا يسمح لأي كان بأن ينهب ثروته المعدنية، وتواترت أخبار أخرى تفيد أن محمدا الخامس لم تسمح له الفرصة ليستعرض بعض الأمور الحساسة التي تشغل باله مع روزفلت، ما جعله يستدرك الأمر لاحقا ويبعث له برسالة مع الصدر الأعظم (الوزير الأول) محمد المقري ومدير التشريفات الحاج محمد المعمري إلى مقر إقامته قبل مغادرة التراب الوطني . ارتمى الغالي بلطف وحذر فوق أريكة قديمة يرجع بها الزمن إلى عهد الحماية الفرنسية وسأل جده: لِـمَ نزلت جيوش الحلفاء وخاصة أمريكا بالمغرب؟ هل تريد أن تقتسم المغرب فيما بينها؟ ابتسم الجد، وطبطب على كتف الغالي بحنان، وأجاب بالسلب: لا يا حفيدي، إن الرئيس الأمريكي كان له رأي ثاقب. كان ينظر إلى مرحلة ما بعد الحرب. كان يريد فقط أن يركز في المغرب بعض قواعده العسكرية ليساهم في تأمين وتحصين حدود أمريكا وبالتالي يسهل عليه العبور إلى أوربا المحتلة. والمغرب بلا شك أحد حدود أمريكا المهمة على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي. كانت يامنة تصغي لجدها ونصف ابتسامة تعلو محياها. تنصت وتحرك رأسها من حين لآخر تأييدا لفضول أخيها: هل حصل إجماع شعبي على تقديم عريضة المطالبة بالاستقلال إلى السلطات الفرنسية؟ نعم. حصل إجماع شعبي والدليل على ذلك أن الشعب المغربي بجميع طبقاته (علماء وطلبة وتجار وعمال وحرفيين…) وقع عرائض تأييد كثيرة، وخرج في مظاهرات حاشدة، ورد على كل أعمال العنف التي مارستها فرنسا بشراسة عز نظيرها. وحتى يتحقق التأييد الكامل لعريضة المطالبة بالاستقلال ويلتف الرأي العام حولها ناشد الحزب الوطني هيئتين بارزتين آنذاك إحداهما ثقافية والثانية سياسية: الهيئة الثقافية: وتتمثل في جمعية قدماء ثانوية مولاي إدريس بفاس. كانت هذه الجمعية تهتم بشؤون التعليم وتتكون من أساتذة وطنيين حتى النخاع كانت الإدارة تأخذ برأيهم وقرارهم من حين لآخر فيما يخص رسم سياسة التعليم بالمغرب. الهيئة السياسية: وهي الحركة القومية التي كان يتزعمها محمد بلحسن الوزاني.

 

 

ملاحظة هامة : ما كتب في هذا الإطار محذوف
سأل المهدي: ولماذا بالضبط استشارة هذه الحركة؟ (وكتلة العمل الوطني) ما هي النتائج التي أسفر عنها مؤتمر آنفا؟
.( وتضمنت وثيقة المطالبة بالاستقلال جملة من المطالب السياسية والمهام النضالية، تمثلت في شقين؛ الأول يتعلق بالسياسة العامة وما يهم استقلال المغرب تحت قيادة ملك البلاد الشرعي سيدي محمد بن يوسف، والسعي لدى الدول التي يهمها الأمر لضمان هذا الاستقلال، وانضمام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الأطلنطي (الأطلسي) والمشاركة في مؤتمر الصلح، أما الثاني فيخص السياسة الداخلية عبر الرعاية الملكية لحركة الإصلاح وإحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية والإسلامية بالشرق تحفظ فيه حقوق وواجبات كافة فئات وشرائح الشعب المغربي))؟؟؟؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.