قال وزير الخارجية الإسباني، خوسي لويس ألباريس، بأن “المغرب شريك استراتيجي، يحتل المرتبة الأولى في أولويات السياسة الخارجية لإسبانيا”،وهو بذلك على يؤكد أهمية الشراكة التي تحكم علاقة المملكة المغربية ونظيرتها الإسبانية، والاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها مسالة الهجرة غير الشرعية، والأمن القومي، ومحاربة الإرهاب و الجريمة العابرة للقارات.
ومن بين العناصر الأساسية التي كان لها دور هام، هوتطور الموقف الإسباني حول أهمية مقترح الحكم الذاتي للصحراء المغربية واعتباره حلا وحيدا وممكنا وواقعيا تحت السيادة المغربية لحل هذا النزاع المفتعل، هذا الموقف أشر بقوة على عودة الدفء للعلاقات بين البلدين الجارين. ذلك أنهما مقبلين على مرحلة مستقرة من العلاقات الثنائية، وهذه العلاقة ستتأثر لا محالة بالتوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.
تصريح وزير الخارجية الإسباني هذا، يأتي بعد انعقاد الدورة الثانية عشرة من لقاء القمة بين البلدين في الرباط يومي فاتح و2 فبراير الجاري.
ليؤكد أن البلدين يعِيان بالاهمية الاستراتيجية التي يحكمها الجوار وعناصر شتى من الشراكة الكلاسيكية التي تحكم علاقتها معا، والاتحاد الأوروبي.
فالوعي بأهمية الشراكة الاستراتيجية بينهما ، كسرت كل التحديات، خصوصا الموقف الإسباني من قضية الصحراء المغربية، والمتمثل في غياب الشفافية، والصراحة في تدبير العلاقات والمصالح المشتركة بينهما، ذلك الموقف أدى إلى أزمات متعددة، وعدم استقرار العلاقات، التي تتغير أحيانا بتغير الحكومات الإسبانية المتعاقبة.
إن انفراج الأزمة بين البلدين، فتحت افاقا أوسع واشمل، بعد أن تعقدت باستقبال إسبانيا زعيم.ما يسمى بجبهة البوليساريو للاستشفاء في احد مستشفياتها الحكومية، بجواز سفر جزائري مزور سنة 2021.
انفراج هذه ا لا زمة، جاء بعد أن وجه رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيس، رسالة إلى جلالة الملك محمد السادس في أبريل من السنة الفارطة، تعترف فيها إسبانيا بأهمية مقترح الحكم الذاتي للصحراء المغربية، كحل وحيد ،وممكن، وواقعي، تحت السيادة المغربية لحل هذا النزاع المفتعل، وكانت تلك الرسالة مفتاحا لبناء علاقات جديدة بين البلدين الجارين، أساسها الشفافية والصراحة و التشاور في مجمل القضايا التي يعيشها العالم اليوم.
وكل هذه العناصر: الشفافية، والصراحة، والتشاور، جعلت المملكة المغربية، تعتبرها أساس علاقاته الخارجية وتعاونه مع باقي الدول، والتي جاءت بشكل صريح، في خطاب جلالة الملك، بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب في غشت 2022، حيث قال حفظه الله: “إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح، و البسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات ونجاعة الشراكات”.انتهى كلام جلالته.
وهناك عناصر أخرى، كان لها دورها في تطور الموقف الإسباني، وعودة العلاقات بين البلدين بقوة، والتي تتعلق بالمتغيرات التي يشهدها العالم اليوم، ونوعية التحالفات الجديدة للمملكة المغربية، وفي مقدمتها العلاقة الجديدة، والمتقدمة، مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد اعتراف هذه الأخيرة بمغربية الصحراء، والنهج الذي يعتمده المغرب في سياسته الخارجية، والاقتصادية القائمة على تنويع شركائه الاقتصاديين،والانفتاح على الصين وروسيا،والمملكة المتحدة، والمانيا، وامريكا الجنوبية، دون أن ننسى الدور البارز الذي قام به جلالة الملك خلال زياراته الماراطونية إلى العديد من الدول الأفريقية، حاملا معه افاقا للاستثمار في أغلب تلك الدول بمنطق رابح رابح.
فالحضور البريطاني في المملكة عبر الاستثمار والتبادل التجاري ،بالأرقام، والذي انتقل بسرعة من 3% إلى 11%، وتطور علاقات المغرب التجارية مع الصين ،والفرص المرتقبة في مجال الاستثمار.
وبالأرقام ايضا، تعتبر المملكةالاسبانية، الآن الشريك التجاري الأول للرباط، بنسبة تفوق 16%، وتستعد للرفع من مستوى استثماراتها في المغرب في مجالات حيوية، مثل البنية التحتية، والطاقات المتجددة، والموارد المائية: تحلية مياه البحر، وأخرى تضَمَّنَها الإعلان المشترك الصادر عن لقاء القمة الأخير المنعقد بالرباط يومي فاتح و2 فبراير 2023 من خلال 19 اتفاقية ثنائية ومذكرات تفاهم،بحضور وزراء اسبان يمثلون مختلف القطاعات الحيوية بالجارة الشمالية.
وفي مجال الهجرة، عرف عدد المهاجرين غير النظاميين القادمين إلى إسبانيا عبر المتوسط والمحيط الأطلسي من المغرب. تراجعا بنسبة 31%. وهذا ما يؤكد الدور المحوري الذي يلعبه المغرب في هذا المجال.
وعلى المستوى الأمني، يساهم المغرب بشكل كبير ومتميز في تفكيك العديد من الشبكات الإرهابية والإجرامية، سواء في إسبانيا، أو في دول الاتحاد الأوروبي.
كما لا يجب تغييب عنصر مهم، ويتعلق الأمر بمنافسة فرنسية إسبانية، من حيث أولويات العلاقة، وتمثيل مصالح المغرب في الاتحاد الأوروبي التي كانت تنفرد بها فرنسا من موقع علاقاتها التاريخية مع المغرب، كما كانت داعمة للمملكة في الأمم المتحدة وفي اجتماعات مجلس الأمن. مع الإشارة إلى أن العلاقات المغربية الفرنسية تمر الان بمرحلة حساسة بالرغم من تليين الموقف الفرنسي مؤخرا وفك مشكل الفيزا الذي بلغ ذروته في صيف السنة الماضية.
فالاعتراف الكامل للولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، وفتح قنصلية لها في مدينة الداخلة، وتطور التعاون المغربي الأمريكي عسكريا واقتصاديا، وتجاريا، والمساندة الأمريكية للمغرب في الاجتماع الأخير لمجلس الأمن الذي اعتمد القرار 2654 في أكتوبر سنة 2022.
كلهاعناصر، كانت وراء تعزيز قناعة إسبانيا بأهمية المغرب كشريك استراتيجي، يحتل المكانة الأولى ضمن أولويات سياستها الخارجية، وهو الموقف الذي يحظى بدعم مراكز القرار الاقتصادي في إسبانيا، وكل مختبرات التحليل والبحث منها:”معهد الكانو” القريب من دواليب الدولة العميقة في إسبانيا.
إسبانيا والمغرب، اذن مقبلان على مرحلة جديدة، يطبعها الاستقرار في العلاقات الثنائية، وهذه العلاقة يجب أن تصمد أمام كل التحديات، منها، التوازنات الإقليمية والدولية الجديدة.