مؤتمر أنفا مكن من تعزيز دور جلالة المغفور له محمد الخامس كقائد ذي رؤية قادرة على إسماع صوت المغرب على المستوى الدولي.

0

 

فاطمة سهلي طنجة

يشكل تخليد ذكرى مؤتمر أنفا الذي استمر من 14-24 يناير 1943 بالدار البيضاء مناسبة للاحتفاء بالدور الريادي الذي اضطلع به المغرب في البحث عن مخرج للحرب العالمية الثانية. فالمملكة، التي نالت اعترافا دوليا بتطلعاتها إلى الاستقلال، برزت كفاعل استراتيجي للسلام والدبلوماسية الدولية.
مؤتمر سري عقد بفندق آنفا استمر عشرة أيام بحضور الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، والرئيس الفرنسي الجنرال ديغول، والجنرال هنري جيرو وملك المغرب محمد الخامس وولي عهده الحسن الثاني، وقد رفض رئيس الاتحاد السوفياتي حينها جوزيف ستالين الحضور.

انعقد المؤتمر أثناء الحرب العالمية الثانية لمناقشة مجرياتها، وقد تردد الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول، لكن تشرشل ضغط عليه وهدده بشل غرفة العميات التي تديرها المقاومة الفرنسية ضد ألمانيا، فقبل المشاركة رغم عدم رضاه عن ريادة الولايات المتحدة في المؤتمر.

اتخذ المجتمعون قرارات كبيرة تتعلق بالحرب، واتفقوا على إستراتيجية عسكرية وسياسية لهزيمة جيوش ألمانيا واليابان وإخضاعهما، وأنهوا المؤتمر بالتوقيع على ما تم الاتفاق عليه في نقاط محددة أبرزها مطالبة قوات المحور (جيوش ألمانيا وإيطاليا واليابان والنمسا ورومانيا) بالاستسلام دون شروط.

كما اتفق المجتمعون على مواصلة دعم الاتحاد السوفياتي، وغزو صقلية وإيطاليا من جهة تونس، وتحديد إدارة مشتركة لجميع القوات الفرنسية في الحرب من قبل الجنرال جيرو والجنرال ديغول.

لعب الرئيس الأميركي روزفلت دورا كبيرا في المؤتمر ودعا لتنفيذ بنود معاهدة الحلف الأطلسي التي وقعها الحلفاء في 18 يناير1941 والقاضية بالدفاع عن حق الشعوب في استقلالها وتقرير مصيرها، وقد كشف روزفلت للشعب الأمريكي نتائج المؤتمر في خطاب بث يوم 12 فبراير1943.

رغم أن المغرب لم يحضر كل جلسات المؤتمر إلا أنه حقق من ورائه مكاسب مهمة جدا، أولها تلقى الملك محمد الخامس وعدا من الحلفاء بنيل المغرب استقلاله بعد انتهاء الحرب.

شكل ذلك الوعد ضغطا سياسيا على فرنسا، ورسالة إيجابية للحركة الوطنية المغربية بنهاية الاستعمار الفرنسي، وثانيها إبراز الأهمية الاستراتيجية للمغرب، و تحول مدينة الدار البيضاء إلى مدينة عالمية اتخذت فيها قرارات سياسية كبيرة رسمت ملامح مرحلة دولية جديدة.
وقد مهد هذا الحدث التاريخي الطريق لاستقلال المملكة، مع ترسيخ موقعها الجيو-سياسي الاستراتيجي في العالم. ومن خلال التدخل الحاسم لجلالة المغفور له محمد الخامس، الذي عين القاضي والعالم البارز سيدي محمد بن ادريس العلوي، القاضي بن ادريس، رئيسا للجنة المنظمة، وبفضل دعم الولايات المتحدة، جسد مؤتمر أنفا نقطة تحول للمغرب، ولكن أيضا للنظام العالمي لما بعد الحرب.

وعلاوة على القضايا الاستراتيجية العسكرية، كان لهذا الحدث تأثير كبير على الدبلوماسية المغربية، كما شكّل نقطة انطلاق مهدت لاستقلال المملكة. ولم يكن اختيار الدار البيضاء لهذه المباراة اعتباطيا، حيث قدم المغرب، الذي يتمتع بموقع استراتيجي بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، منصة مثالية لتنسيق جهود الحلفاء ضد بلدان المحور، خاصة بعد إنزال قوات الحلفاء في شمال إفريقيا خلال عملية “الشعلة” في نونبر 1942.

وشكلت مبادرة جلالة المغفور له محمد الخامس أيضا لحظة فارقة في تاريخ العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة. فالرئيس روزفلت، ومن خلال دعمه للقضية الوطنية المغربية، لم يعزز فقط شرعية مطالب الاستقلال، بل مهد الطريق كذلك لعلاقة استراتيجية دائمة بين المغرب وإحدى القوى العالمية العظمى في ذلك الوقت.

ان الأهمية التاريخية لمؤتمر الدار البيضاء تنبع من حقيقة أنه عزز وحدة الحلفاء وشكل مرحلة حاسمة في تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية.

و اختيار المغرب لاحتضان هذا اللقاء يرجع إلى موقعه الجغرافي الاستراتيجي، على مفترق طرق أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، لان المغرب منصة رئيسية للجهود العسكرية للحلفاء، خاصة بعد نجاح عملية الشعلة التي فتحت جبهة في شمال إفريقيا ومكّنت من تأمين موانئ حيوية للوجستيك الحلفاء

والقرارات التي اتخذت في أعقاب مؤتمر أنفا، لاسيما عملية “هاسكي” (الإنزال في صقلية)، كانت بمثابة خطوات حاسمة في هزيمة بلدان المحور وتحرير أوروبا الغربية.

وعلى الصعيد الدولي،فقد مكّن مؤتمر أنفا من تعزيز دور جلالة المغفور له محمد الخامس كقائد ذي رؤية قادرة على إسماع صوت المغرب على المستوى الدولي.

من خلال الدعوة إلى استقلال المملكة، فإن جلالته عبّر عن تطلعات الشعب المغربي، كما وضع الأسس لعلاقة مثمرة مع الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى

ومنذ تلك اللحظة التاريخية، فرض المغرب نفسه كفاعل جيو سياسي رئيسي في استراتيجيات الحلفاء خلال الحرب، وشريك لا غنى عنه في عالم ما بعد الحرب. دعم الرئيس روزفلت أرسى الأساس لتعاون طويل الأمد مع الولايات المتحدة، مما عزز المكانة الدولية للمملكة.

هذا الصيت الدولي حافظ عليه السلاطين العلويون بشكل راسخ، وتواصل في عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي مكنت قيادته المستنيرة للمملكة من اكتسابها لمكانة مرموقة في المحافل الدولية، بما يتناسب مع دورها التاريخي في الحفاظ على السلم والحوار بين الشعوب والحضارات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.