
فاطمة سهلي طنجة
السلهام المغربي من أبرز الرموز التي تجسد الأصالة والتقاليد العريقة في الثقافة المغربية. هو لباس تقليدي يرتديه الرجال والنساء في مختلف المناسبات، ويتميز بتصميمه الفريد وألوانه الزاهية التي تبرز جمال المناظر الطبيعية المغربية. يُعتبر السلهام بمثابة قطعة أساسية تعكس ذوق الناس وتميزهم الاجتماعي. يعتبره الكثيرون موروثًا ثقافيًا يجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة.
يتميز السلهام بتنوعه الكبير من حيث الألوان والخامات المستخدمة. يُصنع عادة من القماش الفاخر مثل الصوف أو الحرير، ما يجعله مناسبًا للطقس البارد. في بعض الأحيان، يتم تزيينه بالتطريزات اليدوية التي تُظهر براعة الحرفيين المغاربة. تُعد الألوان الداكنة مثل الأسود والبني الأكثر شيوعًا، بينما تُستخدم الألوان الفاتحة مثل الأبيض والبيج في بعض المناسبات المخصصة للاحتفالات.
ولا يقتصر استخدام السلهام على فئة معينة من الناس، بل هو جزء من حياة جميع المغاربة. يُرتدى في الأفراح والمناسبات الدينية مثل عيد الأضحى وعيد الفطر، وكذلك في الاحتفالات الثقافية مثل المهرجانات التقليدية. يُعتبر ارتداء السلهام من مظاهر التبجيل والتقدير لمكانة الحدث الذي يُحتفل به. إضافة إلى ذلك، يعد السلهام أحد أزياء الشارع في المغرب، حيث يمكن رؤية العديد من الأشخاص يتجولون به في الأسواق أو الأماكن العامة.
يجسد السلهام المغربي عمق الارتباط بين الإنسان المغربي وتراثه الثقافي. من خلال الأشكال المختلفة والتفاصيل الدقيقة في تصميمه، يعكس هذا الزي الفخم مدى احترام المغاربة لتاريخهم وحضارتهم. ويرتبط السلهام أيضًا بحرف اليد المغربية التي تفتخر بصناعتها الدقيقة، إذ يُعتبر كل سلهام بمثابة عمل فني يعكس لمسة فنية فريدة تبرز مهارة الحرفيين المحليين.
تاريخ السلهام طويل ومعقد، إذ كان يُستخدم منذ قرون في المغرب كجزء من الزي اليومي للشعب. في البداية، كان السلهام يُصنع من الأقمشة البسيطة، ولكن مع مرور الزمن ومع تطور تقنيات الحياكة، بدأ الحرفيون في إضافة تفاصيل أكثر تعقيدًا. وقد اشتهرت بعض المدن المغربية بإنتاج السلهام، مثل مدينة فاس التي تعد مهد هذه الصناعة التقليدية.
إضافة إلى ذلك، أصبح السلهام من القطع التي تُستخدم في الأزياء العصرية. إذ أن العديد من المصممين الشباب بدأوا في دمج السلهام مع الملابس الحديثة، ما جعل هذه القطعة التراثية تنبض بالحياة وتواكب العصر. وقد أصبح السلهام يتنوع الآن ليشمل تصاميم تتناسب مع الأذواق الحديثة، حيث يُصنع من أقمشة متعددة ويُستخدم في ملابس المساء وكذلك المناسبات الرسمية.
كما يمكن القول إن السلهام المغربي ليس مجرد لباس تقليدي بل هو جزء من هوية الشعب المغربي. إن الحفاظ عليه وتطويره بطريقة تواكب العصر يساهم في الحفاظ على تراث المملكة المغربية من الانقراض. يبقى السلهام رمزًا حيًا للثقافة المغربية التي تشتهر بتنوعها وتفردها، ويستمر في لعب دور هام في حياة المغاربة الاجتماعية والثقافية
يعتبر كذلك من الأزياء التقليدية المغربية الموغلة في القدم. هو رداء أصيل للرجال، ارتداه السلاطين ورجال المخزن (إدارة الدولة) والفقهاء وعامة الناس، حتى عدّ الهندام ناقصاً من دونه، خصوصاً خلال الأعياد والحفلات الدينية والدنيوية والمراسيم المخزنية.
السلهام قطعة من الصوف أو الكشمير أو الديباج، فضفاض ويلبس فوق الجلباب ويشبه في هيئته الخارجية شكل جرس، وهو من دون أكمام، وله قبّ واسع عريض قد يغطي الرأس مرتين أو ثلاث مرات. ويكاد كله أن يكون مفتوحاً من الأمام، إذ لا تتعدى الخياطة فيه حيزاً صغيراً على الصدر عند مطلع العنق.
وبحسب جذور الكلمة، فقد استمد السلهام اسمه من الكلمة العربية السلهم، ومعناه الضامر الطويل وهو ما ينطبق على هذا الرداء الرجالي، أو من الفعل “اسلهم” بمعنى ” تغيّر”، وقد يفيد التغيير الذي يحدثه ارتداء هذا الزيّ على الهندام بشكل عام.
وتروي المراجع التاريخية، أنّ السلهام أهم ما ميز الأمازيغ من سكان المغرب الأقدمين، إلى جانب حلق شعر الرأس وأكل الكسكس، وقد اشتهر السلهام في بلدان المشرق بأنه رداء مغربي أصيل، إذ لا وجود لمثله في البلدان العربية والإسلامية. وكان المغاربيون منذ القدم يرتدونه بوضعه على الكتفين. ويستمر بعض الحضريين من النخبة من ذوي التقاليد في ارتدائه بهذه الطريقة ولا سيما أيام الأعياد والجمع وبعض المناسبات.
وفي السياق، يقول أحمد المجذوب ” إنّ والده الذي كان فقيهاً (رجل دين) حرص على ارتداء السلهام الأبيض فوق الجلباب، وكان له سلهام ثانٍ أسود لم يكن يستغني عنه حتى في سفره، وكان دائماً يقول إنّه يوفر له الدفء ويجعله يشعر بفخر الانتماء إلى بلاده وهويتها الثقافية.
ووفقاً للكاتب المغربي محمد بوسلام، فإنّ لهذا الزيّ التقليدي أسماء عدّة تختلف باختلاف المواقع والمناطق ونوع القماش وفصول السنة ومستوى الثروة، أشهرها وأكثرها انتشاراً السلهام، ويسمى أيضاً البرنوس والهدون والخيدوس وهي كلّها كلمات أمازيغية. ويفرّق بينها قائلاً: “الخيدوس هو الأكبر حجماً والأثقل وزناً والأخشن نسجاً، أما السلهام فهو الأكثر نعومة وشفافية، في حين أنّ الهدون هو النوع المتوسط الحجم والجودة، ولكلّ نوع ظروف لباسه الزمانية والمكانية”. ويوضح أنّ بعض الفقهاء في الحواضر المغربية كانوا يسمونه الدائرة، فهم حين يقولون إنّ فلاناً لا يرتدي إلا الجلباب والدائرة، يقصدون بالدائرة السلهام، كما كان يعرف بالغفارة، وهو لفظ أكثر شيوعاً في الأندلس، وقد عرّف ابن رشد البرانس بأنّها “ثياب في شكل الغفائر عندنا مفتوحة من أمام وتلبس على الثياب في البرد والمطر”.
وتقول المأثورات الشعبية للدلالة على عراقة هذا اللباس: “ورثنا عن الجدود حلق الرؤوس وأكل الكسكوس وارتداء البرنوس” أي السلهام. ويتفق ذلك مع رواية ابن خلدون في سياق حديثه عن لباس الأمازيغ، فيذكر أنّه يتكون من “البرانس الكحل، ورؤوسهم في الغالب حاسرة، وربما يتعاهدونها بالحلق”. وشبّه البعض السلهام باللباس الروماني، وزيّ الرهبان المسيحيين، وأصبح فيما بعد مقتصراً على بلاد المغرب العربي ليشكل اللباس الوطني للمغرب الأقصى.
اشتهرت منطقة جبل مديون، شرقي مدينة فاس، ونواحي تادلا، بصناعة السلهام المغربي، فيما اختصت بعض أحياء مدينة فاس بصنع كلّ ما يزين به هذا اللباس. وبلغت الأندلس شأناً بعيداً في هذا المجال، فضمن الهدايا الملوكية التي ذكرت في عهد الحكم الثاني المستنصر، نجد برنساً له لوزة مفرغة من خالص التبر، مرصعة بالجوهر والياقوت.
ويقول محمد مقر مؤلف كتاب “اللباس المغربي من بداية الدولة المرينية إلى العصر السعدي”، إنّ السلهام كان أيضاً ضريبة مرينية، يؤديها سكان البوادي للمخزن المريني، وذلك إلى غاية تولي السلطان أبو الحسن علي للحكم (ما بين 1331 و1351) الذي أزال هذه الضريبة.
ويخضع ارتداء السلهام باعتباره ضريبة، لضوابط، إذ لا يكون إلا للراشد المتزوج، المؤهل لامتلاك خيمة وقطيع أغنام، أو امتهان نشاط آخر يوفر عائداً لا بأس به، ويعتبر البلوغ والإنتاج شرطين ضروريين لفرضها، وربما هذا هو سرّ العلامة بين التسمية والضريبة
واختص بصناعة هذا الزيّ الموغل في القدم، حرفيون مهرة، وكانوا ينسجونه من الصوف الخشن أو الكتان لعامة الناس والفقراء، أما الفئات الميسورة فكان نسجه لديها من رقيق الصوف والحرير والديباج. وقد اهتمت بهذا اللباس شرائح اجتماعية متعددة، وأسس مجالاً جغرافياً واسعاً.
ظل السلهام طيلة قرون، لباساً ذكورياً محضاً، فكان من المعيب أن يُشاهَد المغربي، خصوصاً في المناسبات الدينية والأعياد من دون سلهام، كما شكّل لسكان القرى والبوادي البعيدة وسيلة للوقاية من البرد وقساوته. وذكر في العصر العباسي أنّ “نساء الفئات الميسورة اتخذن غطاء للرأس يدعى البرنس، مرصعاً بالجواهر محلى بسلسلة ذهبية، مطعمة بالأحجار الكريمة”.
واليوم ومع التحولات التي تعرفها الأزياء، لم يعد هذا اللباس حكراً على الرجال، بل أقبلت عليه النساء أيضاً، بعدما نجح مصممو الأزياء في تطويعه وتحويله من زيّ رجالي إلى قطعة عصرية حديثة تواكب التطورات، وتسيل لعاب النجمات والعارضات وكلّ العاشقات للأصيل
“الحايك” المغربي… حين كان الرجال والنساء يتقاسمون لباساً واحداً
وفي السياق، فان العودة إلى اللباس التقليدي الأصيل وإدخال لمسات عصرية عليه، أمر مطلوب ومحبّب، سواء في ما يتعلق بالسلهام أو البلوزة أو الحايك في ظلّ ما يعرفه عالم الأزياء من ثورة إن صحّ القول، لم يعد الحديث عن السلهام كزي ينفرد به الرجال كما شهد لهم بذلك التاريخ، بل بات للنساء أيضاً نصيب منه، مع ما يقتضيه ذلك بطبيعة الحال من لمسة تبرز جمالية الثوب المستخدم سواء من الحرير أو غيره، تطريزاً وتزييناً