راضية بركات تطرح السؤال الممنوع: من البرلمان الى سبتة … لماذا أصبح اليأس أقوى من الانتماء؟

0

راضية بركات تطرح السؤال الممنوع: من البرلمان الى سبتة … لماذا أصبح اليأس أقوى من الانتماء؟
دردشة مع ياسمين الحاج 13 غشت 2026

في لحظة سياسية دقيقة، لم يعد السؤال الحقيقي هو فقط: من سيفوز في الانتخابات؟ بل أصبح السؤال الأعمق: من سيستطيع أن يعيد للمواطن ثقته في السياسة، وللشباب إيمانهم بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن؟
في هذه الحلقة تفتح الإعلامية ياسمين الحاج حوارًا صريحًا مع الأستاذة راضية بركات حول الانتخابات التشريعية المقبلة، وأزمة الثقة، والعزوف الانتخابي، ودور النخب السياسية، وحضور المرأة، ومسؤولية البرلمان والإعلام، وصولًا إلى واحدة من أكثر القضايا إيلامًا وإثارة للقلق: محاولات الهجرة الجماعية للشباب والأطفال والقاصرين نحو سبتة.
حوار لا يكتفي بطرح الأسئلة التقليدية، بل يحاول الاقتراب من جوهر الأزمة: ماذا يريد المواطن من السياسة؟ ولماذا ابتعد الشباب عنها؟ وهل ما زالت الانتخابات قادرة على صناعة الأمل؟.

وبين الانتخابات والبرلمان، وبين المرأة والشباب، وبين المشاركة والعزوف، يظل السؤال الأكبر حاضرًا: هل تستطيع السياسة أن تستعيد الإنسان قبل أن تطلب منه استعادة ثقته بها؟

مرحبًا بكم في حلقة جديدة من «دردشة مع ياسمين الحاج»… حوار نترك فيه الأسئلة مفتوحة، لأن بعض الأسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بقدر ما تبحث عن وطنٍ يصغي إليها.
1. بدايةً، نرحب بكم في زاوية “دردشة مع ياسمين الحاج”. حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحديات التي يواجهها المغرب؟
أنا ابنة تجربة مهنية ومجتمعية امتدت لسنوات طويلة، كان التعليم و التأطير والعمل الجمعوي والسياسي من أبرز محطاتها. كما أني تقلدت عدة مسؤوليات خلالها،كما أنني الآن رئيسة هيئة المساواة وتكافؤ الفرص لذى جماعة خريبكة.وقد تعلمت من هذه التجربة أن الشأن العام ليس امتيازًا ولا واجهة اجتماعية، بل مسؤولية ثقيلة تجاه الناس وقضاياهم وانتظاراتهم
كان انخراطي في العمل العام نابعًا من قناعة بسيطة: لا يمكن أن نكتفي بانتقاد الواقع من بعيد، بل علينا أن نساهم في تغييره، كل من موقعه وبقدر ما يستطيع.
واليوم، أعتقد أن مسؤولية الفاعل السياسي أصبحت أكبر من أي وقت مضى؛ لأن المواطن لم يعد ينتظر خطابات جميلة، وإنما يريد صدقًا ووضوحًا ونتائج ملموسة. والسياسة، في تقديري، تستعيد معناها حين تصبح التزامًا وخدمة عمومية، لا وسيلة للامتياز أو الارتقاء الشخصي.
2. كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة في ترسيخ المسار الديمقراطي، وما أبرز الرهانات التي تميزها عن الاستحقاقات السابقة؟
كل انتخابات هي اختبار حقيقي للحياة الديمقراطية، لكن أهمية الاستحقاقات المقبلة لا تكمن فقط في تغيير تركيبة البرلمان، وإنما في قدرتها على إعادة الاعتبار للمؤسسة السياسية ولثقة المواطن.
الرهان الأكبر، في نظري، هو الانتقال من ديمقراطية الأرقام الانتخابية إلى ديمقراطية المؤسسات والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
نحن بحاجة إلى انتخابات تعيد للمواطن الإحساس بأن صوته له معنى، وأن البرلمان مؤسسة لصناعة التشريع ومراقبة الحكومة والدفاع عن المصلحة العامة، وليس مجرد فضاء للصراعات الحزبية أو الحسابات الانتخابية.
3. كيف تقيمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم، وهل ترون أنه مهيأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين؟
المشهد السياسي يعيش أزمة ثقة أكثر مما يعيش أزمة تعدد حزبي. لدينا أحزاب ونخب وتجارب، لكن السؤال الحقيقي هو: إلى أي حد استطاعت هذه النخب أن تبقى قريبة من المجتمع وأن تفهم التحولات العميقة التي يعيشها؟
المواطن اليوم أكثر وعيًا وأقل استعدادًا لتصديق الخطاب السياسي التقليدي. لذلك نحن في حاجة إلى نخب تمتلك الكفاءة والنزاهة والاستقلالية، وتعرف أن تمثيل المواطنين ليس تشريفًا، بل تكليف. ومحاسبة يومية.
4. كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في الاضطلاع بأدوارها التشريعية والرقابية والاستجابة لتطلعات المواطنين؟
لا يمكن إصدار حكم مطلق، فهناك مبادرات واجتهادات تشريعية ورقابية مهمة، لكن الفجوة ما تزال قائمة بين ما ينتظره المواطن من البرلمان وبين الصورة التي تصل إليه عن أدائه.
المطلوب ليس فقط إنتاج القوانين، وإنما أن يشعر المواطن بأن المؤسسة التشريعية تراقب السياسات العمومية بجدية، وتدافع عن مصالحه، وتفتح الملفات الحقيقية، وتنتصر للشفافية والمساءلة.
والبرلمان القوي ليس البرلمان الذي يرفع صوته أكثر، وإنما الذي يمارس صلاحياته باستقلالية وكفاءة ومسؤولية.
5. برأيكم، ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟

هناك ملفات لا تحتمل التأجيل: التعليم العمومي، الصحة، التشغيل، القدرة الشرائية، السكن، العدالة الاجتماعية، العالم القروي والمناطق المهمشة، إضافة إلى قضايا الشباب والمرأة والتحول الرقمي والعدالة المجالية.
لكن الأهم هو أن نتوقف عن التعامل مع هذه الملفات بمنطق التدبير الظرفي. نحن بحاجة إلى سياسات عمومية طويلة النفس، مرتبطة بأهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس ومحاسبة حقيقية على النتائج.
6. كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟

الثقة لا تُطلب من المواطن، بل تُبنى معه.
لا يمكن أن نقول للناس: شاركوا، ثم لا نصغي إليهم إلا أيام الانتخابات. ولا يمكن أن نطالبهم بالثقة بينما يرون تناقضًا بين الخطاب والممارسة.
استعادة الثقة تبدأ بالصدق، والوضوح، والوفاء بالالتزامات، والشفافية في تدبير الشأن العام، ومحاسبة المسؤولين، وفتح المؤسسات أمام المواطن.
حين يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن مشاركته تحدث فرقًا، سيعود إلى السياسة من تلقاء نفسه.
7. تعرف مشاركة المرأة المغربية تطورًا ملحوظًا في الحياة السياسية. هل ترون أنها استطاعت فرض حضورها داخل المشهد السياسي والتشريعي، أم أنها لا تزال تواجه تحديات تحد من وصولها إلى مواقع القرار؟ وما السبل الكفيلة بتعزيز حضورها؟

لا شك أن حضور المرأة المغربية تطور، لكن التطور الكمي لا يعني بالضرورة أننا حققنا الإنصاف السياسي.
المشكلة ليست في قدرة المرأة على تحمل المسؤولية؛ فقد أثبتت كفاءتها في مختلف المجالات. المشكلة في استمرار بعض العقليات والبنيات السياسية التي تجعل وصولها إلى مواقع القرار أكثر صعوبة.
نحن بحاجة إلى تغيير الثقافة السياسية نفسها، وإلى تكافؤ حقيقي في الفرص، وإلى دعم النساء الكفؤات بدل التعامل مع حضورهن باعتباره مجرد استجابة لحسابات انتخابية أو تدبيرية.
تمكين المرأة سياسيًا ليس منّة، بل هو شرط من شروط الديمقراطية.
8. ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى الشباب، خاصة الذين سيشاركون في الانتخابات لأول مرة؟

أقول للشباب: لا تتركوا السياسة لمن لا يشبهكم ولا يعبر عن انتظاراتكم.
صوتكم ليس مجرد ورقة توضع في صندوق، وإنما هو موقف ومسؤولية واختيار لمستقبل بلدكم. لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن السياسة لا تعنيكم؛ لأن نتائج السياسة تدخل إلى المدرسة والجامعة والمستشفى ومكان العمل والبيت والشارع.
اختاروا على أساس الكفاءة والنزاهة والبرنامج، ولا تمنحوا أصواتكم لمن يطلبها باسم القرابة أو المصلحة أو الوعد العابر.
9. هل ترون أن البرامج الانتخابية أصبحت معيارًا حقيقيًا في اختيار الناخب، أم أن اعتبارات أخرى ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي؟
للأسف، ما تزال اعتبارات شخصية ومحلية ومصلحية تؤثر في جزء من السلوك الانتخابي، وهذا أمر لا يمكن إنكاره.
لكن المسؤولية لا تقع على الناخب وحده. الأحزاب والنخب السياسية تتحمل بدورها مسؤولية كبيرة في الارتقاء بالنقاش من الأشخاص إلى البرامج، ومن الوعود إلى الالتزامات القابلة للتنفيذ.
لا يمكن أن نطالب المواطن بالاختيار على أساس البرامج إذا كانت البرامج نفسها لا تُناقش بجدية ولا تُقاس نتائجها بعد الانتخابات.
10. كيف يمكن الحد من ظاهرة العزوف الانتخابي، والتصدي للممارسات التي تمس نزاهة الاستحقاقات وتعزز فقدان الثقة؟

العزوف ليس مرضًا في المواطن، بل هو في كثير من الأحيان رسالة احتجاج صامتة.
عندما يشعر المواطن بأن الانتخابات لا تغير شيئًا، أو أن الوعود تتكرر دون نتائج، فمن الطبيعي أن تتراجع رغبته في المشاركة.
أما حماية نزاهة الانتخابات، فتحتاج إلى صرامة قانونية ومؤسساتية، وإلى شفافية في العملية الانتخابية، وإلى مراقبة فعالة، وإلى وعي جماعي بأن شراء الأصوات أو استغلال الحاجة الاجتماعية جريمة في حق الديمقراطية قبل أن يكون مخالفة انتخابية.
11. ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين وتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية؟
راضية بركات:
أولها النزاهة، ثم الكفاءة والاستقلالية والشجاعة والقدرة على الاستماع.
النائب الحقيقي ليس من يتحدث كثيرًا أثناء الحملة الانتخابية، وإنما من يستطيع أن يقول “لا” عندما تكون المصلحة العامة مهددة، وأن يراقب ويسائل ويقترح ويشرّع، وأن يبقى قريبًا من المواطنين بعد انتهاء الانتخابات.
وأعتقد أن أهم صفة هي أن يعرف المرشح حدود السلطة التي يمنحها له الناخب، وأن يدرك أن المقعد النيابي ليس ملكًا شخصيًا، وإنما أمانة مؤقتة.
12. في نظركم، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوناتها، في مواكبة الانتخابات، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومحاربة الأخبار المضللة؟
الإعلام أمام مسؤولية كبيرة، خصوصًا في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر بسرعة تفوق أحيانًا قدرة المجتمع على التحقق منها.
المطلوب هو إعلام لا يتحول إلى منصة للدعاية، ولا إلى طرف في الصراع، وإنما يمارس دوره النقدي والاستقصائي، ويضع البرامج والوعود أمام الاختبار، ويمنح مختلف الآراء حقها في الوصول إلى المواطن.
كما أن مواجهة الأخبار المضللة لا تكون فقط بالحذف أو النفي، وإنما ببناء مواطن يمتلك أدوات التفكير النقدي والتمييز بين المعلومة والدعاية والإشاعة.
13. كيف رأيتم ما وقع في مدينة سبتة، ومحاولة آلاف الشباب، ومن بينهم أطفال وقاصرون، الهجرة بشكل جماعي؟ وما الرسائل السياسية والاجتماعية التي تعكسها هذه الأحداث؟ وهل ترون أنها تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب ؟
ما وقع في مدينة سبتة لا ينبغي أن نتعامل معه باعتباره مجرد محاولة جماعية للهجرة، ولا أن نختزله في مسألة أمنية أو في سلوك فردي لشباب يريدون الوصول إلى الضفة الأخرى. ما رأيناه، خصوصًا مع مشاركة أطفال وقاصرين، هو إنذار اجتماعي وسياسي بالغ الخطورة.
حين يصل شاب إلى قناعة بأن مستقبله يوجد في مكان آخر، وحين يغامر طفل بحياته من أجل العبور، فعلينا ألا نسأل فقط: لماذا يحاولون الرحيل؟ بل علينا أن نسأل أيضًا: ما الذي جعلهم يفقدون الإحساس بأن لهم مستقبلًا هنا؟
هذه الأحداث تعكس أزمة ثقة عميقة: ثقة الشباب في المدرسة، وفي سوق الشغل، وفي المؤسسات، وفي قدرتهم على بناء حياة كريمة داخل وطنهم. وهي تعكس كذلك شعورًا متزايدًا بالتهميش وانسداد الأفق، خصوصًا لدى فئات تعيش الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.
والأخطر من ذلك أن يتحول حلم الهجرة من مشروع فردي إلى سلوك جماعي، وأن يصبح البحر في مخيلة بعض الشباب أقرب إلى الأمل من الوطن نفسه.
لذلك، نعم، أعتقد أن ما وقع يستدعي مراجعة جدية للسياسات العمومية الموجهة للشباب، ولكن ليس عبر مزيد من المقاربات الأمنية وحدها. نحن بحاجة إلى سياسة تجعل الشباب يشعرون بأن لهم مكانًا حقيقيًا في هذا الوطن: في التعليم، وفي الشغل، وفي الثقافة، وفي الحياة السياسية، وفي صناعة القرار.
وأعتقد أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصلنا من سبتة هي: الشباب لا يفرون من الوطن فقط، بل يفرون من اليأس. وعندما يصبح اليأس أقوى من الانتماء، فالمشكلة لم تعد في الشباب وحدهم، وإنما في السياسات التي لم تستطع أن تمنحهم أسبابًا كافية للبقاء.
أما وصول الأمر إلى الأطفال والقاصرين، فهو جرس إنذار أقوى؛ لأنه يعني أننا لم نعد أمام أزمة هجرة فحسب، بل أمام أزمة أمل ومستقبل، وهذه مسؤولية جماعية لا يجوز تأجيل مواجهتها
14. في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟

رسالتي بسيطة: لا تتخلوا عن حقكم في الاختيار.
قد تختلفون مع الأحزاب، وقد تشعرون أحيانًا بخيبة الأمل من السياسة، وهذا حقكم. لكن العزوف لا يصنع البديل.
شاركوا، اسألوا، ناقشوا، حاسبوا، واقرؤوا البرامج، وانظروا إلى مسار المرشح قبل خطابه.
وأقول أيضًا لكل من سيصل إلى البرلمان: تذكروا أنكم لا تدخلون المؤسسة التشريعية بأصواتكم، بل بأصوات الناس؛ وأن تلك الأصوات أمانة، وأن المواطن لا يحتاج إلى نائب يطلب منه التصفيق، وإنما إلى نائب يستمع إليه ويدافع عن حقوقه ويحاسب باسم المصلحة العامة.
الديمقراطية لا تُبنى يوم الاقتراع فقط؛ بل تبدأ من وعي المواطن، وتستمر بمساءلة من اختارهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.