الدكتور الحبيب الناصري: «لا ديمقراطية حقيقية بنخب ترفض الفطام»
الدكتور الحبيب الناصري: «لا ديمقراطية حقيقية بنخب ترفض الفطام»
دردشة مع ياسمين الحاح 12 غشت ذ2026
في زمنٍ تتسع فيه المسافة بين المواطن والسياسة، وتتراجع فيه الثقة، وتصبح الانتخابات بالنسبة إلى كثيرين مجرد موعد عابر، تأتي هذه الحلقة من «دردشة مع ياسمين الحاج» لتفتح نوافذ الأسئلة الكبرى، دون مجاملة أو أقنعة. ضيفنا هذه المرة ليس مجرد أستاذ جامعي أو كاتب وباحث، بل مثقف راكم عقوداً من التدريس والبحث والتكوين والعمل الثقافي والجمعوي، وانخرط في السينما الوثائقية كتابةً وإخراجاً وإدارةً، مؤمناً بأن الثقافة ليست ترفاً، وأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء الوطن. إنها دردشة تتجاوز الأسئلة الانتخابية الظرفية لتلامس سؤالاً أعمق: أي مغرب نريد؟ وأي مواطن نريد أن نصنع؟ وأي نخب نريد أن تقود مغرب القرن الحادي والعشرين؟ حوار صريح، فكري، سياسي وثقافي، فيه كثير من الأسئلة المقلقة، وأكثر منها من الرغبة في الإصلاح. مرحبا بكم
حبذا لو تعرفون القراء بشخصكم الكريم، وتحدثوننا عن أبرز محطات مساركم المهني والسياسي، والدوافع التي قادتكم إلى الانخراط في العمل العام، وكيف تنظرون اليوم إلى مسؤولية الفاعل السياسي في ظل الاستحقاقات التشريعية المقبلة والتحديات التي يواجهها المغرب؟ الجواب: معك الحبيب ناصري، أستاذ التعليم العالي، وكاتب لدي مجموعة من المؤلفات الأكاديمية والإبداعية. راكمت حوالي أربعين سنة في مجال التدريس والبحث والتكوين والبحث العلمي والإشراف على العديد من البحوث، كما ساهمت ولا زلت حتى اليوم في العديد من المؤتمرات والندوات واللجن العلمية ولجن التحكيم داخل وخارج أرض الوطن، ومؤخرا حصلت على بطاقة الإخراج الوثائقي وأخرجت بضعة أفلام وثائقية، وسبق لي أن فزت بجائزة وطنية في مجال التربية والتكوين، وفاز فيلم وثائقي كتبته حول ناجي العلي «في حضن حنظلة» بالعديد من الجوائز الدولية، وهذا الفيلم أخرجه المخرج الفلسطيني فايق جرادة وأنتجته شركة إنتاج فلسطينية، والكثير من طلبتي هم اليوم في مواقع مختلفة، منهم من أصبح يدرس في بعض الجامعات المغربية وغيرها. أنا حاصل على العديد من الشهادات الجامعية وهي الإجازة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش ودبلوم الأهلية التربوية من المدرسة العليا للأساتذة بالدار البيضاء ودبلوم الدراسات المعمقة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ودبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط ودكتوراه الدولة من نفس الكلية . من مؤسسي العديد من الجمعيات بالمدينة وخارجها، ومنها على الخصوص جمعية المهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بخريبكة، ما دفعني للربط بين مهنتي باعتباري أستاذا باحثا والعمل الجمعوي الثقافي التطوعي على وجه الخصوص، راجع إلى إيماني بضرورة المساهمة والدفع بعجلة التنمية، خصوصا الشق المتعلق بالثقافة والفنون. علاقتي بالعمل السياسي أحددها في تجربتين: الأولى محطة الانخراط الحزبي ولدي تجربة في منظمة العمل الديموقراطي الشعبي بالمدينة في بداياتها الأولى وقد حضرت المؤتمر الوطني الثاني لهذه المنظمة العتيدة في زمن الراحل بنسعيد آيت يدر كملاحظ بمدينة الدار البيضاء، والمحطة الثانية علاقتي بالنقابة الوطنية للتعليم العالي، إذ كنت أحد مؤسسي مكتبها المحلي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بخريبكة حينما كنت أشتغل بهذا المركز وانتخبت كاتبا محليا مسيرا لشؤون هذا المكتب، ومن خلاله حضرت للمؤتمر العاشر لهذه النقابة الوطنية، هذا هو رأسمالي التنظيمي الرمزي الحزبي والنقابي البسيط الذي أملكه. تتمة لسؤالك، أعتقد أن الفاعل السياسي له دور مهم جدا في تقوية وتطوير المجتمع، إن كان فعالا مؤمنا وصادقا وواعيا بدوره وقيمته، وكيف من الممكن أن يكون فاعلا فعالا في المشهد السياسي الوطني. السؤال 2: كيف تنظرون إلى أهمية الانتخابات التشريعية المقبلة في ترسيخ المسار الديمقراطي، وما أبرز الرهانات التي تميزها عن الاستحقاقات السابقة؟ الجواب: أعتقد أنها أساسية، فمن خلالها، تتوطن أكثر اللعبة الديموقراطية المغربية أستعمل كلمة اللعبة بشكلها النبيل طبعا… انتخابات أساسية، لترسيخ المسار الديموقراطي ببلادنا فهو مسار لابد منه والديموقراطية هي لغة عالمية اليوم، حق لابد منه لكل المجتمعات التي تريد التعاقد على الخير لبلدانها، وبالتالي تضمن الترافع والتدافع والمساهمة في بناء الوطن الذي يحضن الجميع ومن لا وطن له فـ«حين تخون الوطن، لن تجد ترابا يحن عليك يوم موتك، ستشعر بالبرد حتى وأنت ميت» كما قال غسان كنفاني رحمه الله. أعتقد أن هذه الاستحقاقات ستجري في زمن مغربي دولي خاص، فالمغرب اليوم، لابد من أن يقترب أكثر لممارسة ديموقراطية حقيقية وفاعلة في تطوير عيش المغاربة وحريتهم وكرامتهم. خلال الأيام السابقة، كلنا أحسسنا بالوجع الناتج عن الحريك نحو سبتة المحتلة، وبالتالي لابد من خلخلة العديد من النصوص القانونية المؤطرة لهذه الاستحقاقات، فهل يعقل مثلا أن يحسم عضو برلماني في لجنة برلمانية في مصيري أنا باعتباري أستاذا باحثا وهو ربما لم يسبق له أن ولج الكلية لا باعتباره طالبا ولا باعتباره مشاركا في يوم فكري وربما غير حاصل على شهادة التعليم الإعدادي… المغرب أمة تملك حضارة ولسنا لقطاء في التاريخ، لم نولد بقرار عسكري أو سياسي دولي، أمة ضاربة في التاريخ والجغرافيا والثقافة، لهذا وجب الاستمرار في بناء هذه الحضارة، والاستحقاقات الانتخابية رافعة لتقوية هذا البناء، من هنا وجب تحفيز الكفاءات الوطنية، وجرها للمشاركة الفعلية في هذه الاستحقاقات، لأنها ستساهم فعلا في الدفع في بناء وتقوية مغرب القرن 21، خصوصا وموقعنا الجغرافي وتراكماتنا الحضارية، جعلت المغرب يحاك ضده العديد من المؤامرات. السؤال 3: كيف تقيمون واقع المشهد السياسي المغربي اليوم، وهل ترون أنه مهيأ لإفراز نخب قادرة على الاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين؟ الجواب: طبعا لست متخصصا في الشأن السياسي بالمفهوم الأكاديمي والعلمي، لكن وباعتباري مواطنا مغربيا مهتما بما يقع في بلادي، فالمغرب، خصوصا في هذا الزمن الذي أصبح فيه المواطن إعلاميا، ومن خلال هاتفه المحمول وصفحته في الفايس بوك، أو من خلال وسيط بصري آخر، أصبح قادرا على النشر والمقارنة بين ما يجري هناك وهنا في بلده، بل أصبح قادرا على التعبير عن موقفه، كل هذا يجعلنا اليوم، نقر بضرورة تطوير الممارسة الديموقراطية والحرص على تقوية النخب السياسية، لجعلها عنصرا فاعلا في تحقيق ما قلته سابقا. تضعيف النخب بسبب ذاتي وموضوعي أو جعلها تدور في فلك المبتذل والبسيط الخ، في اعتقادي هو فعل ليس في صالح أي أحد، الخاسر هو المغرب، والعكس صحيح، بمعنى هناك عوامل ذاتية وموضوعية من الممكن أن تساهم في تقوية النخب، باعتبارها صمام أمان ضد كل من يمس وحدته الترابية من طنجة إلى لكويرة، بل لابد من تقوية الجبهة الداخلية للمطالبة بالأراضي التي فقدناها خلال الاستعمار المتعدد. فرز النخب فعل ذاتي وموضوعي كما قلت، فمثلا هل يعقل أن نشاهد نفس الوجوه في زعامة بعض أحزابنا السياسية؟ أتذكر حضوري للمؤتمر الثاني لمنظمة العمل الديموقراطي الشعبي بالدار البيضاء أواخر الثمانينيات إن لم تخني الذاكرة، وكيف دافع الراحل بنسعيد آيت يدر رحمه الله على ضرورة ألا يتجاوز الأمين العام أو الكاتب العام للمنظمة ولايتين فقط، تم التصويت عليها بشكل جماعي في حينه. من لا يمارس الديموقراطية داخل حزبه لن يمارسها خارجه، الكرسي لذيذ، بل علاقته بمن يجلس عليه مثل علاقة الوليد مع ثدي أمه، وجب فطامه حينما يصل لعمر السنتين على الأكثر وإلا سيصبح حليب أمه يلحق بصحته ضررا، لابد من مأسسة الفطام في الممارسة الحزبية لأنه فعل نتعلم به كيف علينا تجديد النخب. لنقارن، على سبيل التمثيل لا الحصر، بين الممارسة السياسية في فترة السبعينيات والثمانينيات وما يجري اليوم؟ الممارسة الحزبية الداخلية مدرسة في التكوين الديموقراطي، صحيح جدار برلين سقط، وتفككت الاتحاد السوفياتي، وتوقفت الحرب الباردة، والسياقات تختلف، لكن لابد من تقوية الممارسة الحزبية وخلق جاذبية ترافعية تداولية داخلها، هي مجرد وجهة نظر شخصية طبعا ودون تعميم. السؤال 4: كيف تقيمون أداء المؤسسة التشريعية خلال الولاية الحالية؟ وهل نجحت في الاضطلاع بأدوارها التشريعية والرقابية والاستجابة لتطلعات المواطنين؟ الجواب: من الصعب أن نقول أنها حققت كل المرجو، ومن الصعب أن نقول أنها لم تفعل شيئا، لكن الحق في الحلم يجعلني أبقى حالما ببرلمان وجماعات قروية وحضرية قوية وفاعلة في تحقيق انتظارات المواطن والوطن. أذكرك بالمثال السابق، كيف لي أن أرتاح ومن يقرر أحيانا في مصيري بصفتي أستاذا باحثا لا يتوفر على شهادة التعليم الإعدادي؟ وفي الوقت نفسه أفرح حينما أشاهد مثلا عضوا آخر له تلك القدرة على جر وزير للمساءلة، بل قادر على قراءة ورقته جيدا. عضو برلماني نزيه في ضميره وجيبه وأكله وعلاقته مع من يمثل، يبقى على صلة خلال مدة انتخابه، لا يتغير ولا يراهن على ثقافة اللحم بالبرقوق وربعاالف زرقة، فهذا النوع مضر للوطن ومضر للمواطن الذي عليه أن ينهض من غيبوبته. ويتأكد أن دسم ليلة ميسمنش كما قال سادتنا الأوائل. علينا جميعا أن نعي أين نحن؟ ومن نحن؟ وماذا نريد؟ وعلى ما ومن نراهن؟ وكيف علينا المساهمة الفعالة في تقوية روح الوطن، لأننا نملك مغربا جميلا قطع العديد من المراحل الحضارية ولسنا لقطاء في التاريخ، بل نحن أمة، فهل نعي هذا؟ أعتقد أن العديد من الحلول موجودة في منظومتنا التربوية التي عليها أن تنفتح على إصلاح حقيقي جذري للمساهمة في بناء المواطن الذي سيكون قادرا على المساهمة في لعبة الديموقراطية، ومنها بناء وتجديد النخب، أعتقد. السؤال 5: برأيكم، ما أبرز الأولويات التي ينبغي أن يضعها البرلمان المقبل في صدارة اهتماماته؟ الجواب: الأولويات فيها الثابت وفيها المتحول، البرلماني لابد أن يكون قويا في المراقبة وتوليد النصوص التشريعية التي تقطع مع الريع، وفي الوقت نفسه لابد أيضا أن يكون هذا البرلماني بمثابة صدى لهموم المواطن، لكي يساهم في تحقيق حلول عديدة من خلال مهمته التشريعية، الخ. فمثلا إلى يومنا هذا لا زلنا غير قادرين على تحقيق إصلاح جذري لمنظومة التربية والتكوين والبحث والثقافة، فمساهمة البرلماني، من خلال وظيفته التشريعية ومراقبة ومساءلة الحكومة، لها أهميتها الكبرى، ويبقى السؤال: هل كل البرلمانيين لهم هذا الهم؟ هل كلهم قادرون على الانخراط في هذا الحلم؟ حلم بناء مدرسة عمومية قوية وجذابة وحالمة بتكوين مواطن لا يكون لقمة في بطن غير مقدر لقيمة المغرب الحضاري العريق؟ هذه بعض الأمثلة ذات الأولويات الكبرى بالنسبة إلي، السيما وقد قضيت أربعين سنة في مجال التدريس والتكوين والبحث والكتابة. أضيف مثالا آخر موضحا للأولويات: وقد يقول قائل، الرغيف قبل الفن أو قبل الثقافة، صحيح ومثلنا الشعبي المغربي يقول «شحال قدك تسبح ألبايت بلا عشا»، لكن طبيعة ميزانية الثقافة، مثلا، وكيفية الاشتغال عليها؟ ومن يصوت الخ؟ يؤكد أنه من الواجب أن نسمو بالثقافة، فهي أولوية من أولويات بناء المواطن، بجانب التعليم والتربية والتكوين، الخ، طبعا، لكي لا يكتفي بالعيطة واللحم بالبرقوق وربعاالف زرقة، لأن هذا مضر له ولوطنه ولتاريخه ولرموز هذا الوطن ولشهدائه الذين ضحوا من أجله. ويكفي التذكير هنا، بثورة الملك والشعب، وتاريخ عشرين غشت بمدينة الشهداء وادي زم، إذن الثقافة والرغيف هما معا أولويات وربما الأول يلذذ الثاني… السؤال 6: كيف يمكن استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي وتشجيعه على المشاركة الفاعلة في الانتخابات؟ الجواب: لن أطيل في هذا الجواب، سأقول من خلال إصلاح جذري لمنظومة التربية والتكوين والبحث والثقافة، لمن يريد تفصيل البحث في سؤالك، فعليه أن يفصل القول في كيفية تحقيق هذا الحلم؟ ومن يعيقه؟ ولصالح من مدرسة عمومية هشة وغير جذابة للمتعلم؟ ومن الرابح بتحقيق حلم مدرسة عمومية قوية وفاعلة في بناء المواطن؟ السؤال 7: تعرف مشاركة المرأة المغربية تطورا ملحوظا في الحياة السياسية، هل ترون أنها استطاعت فرض حضورها داخل المشهد السياسي والتشريعي، أم أنها لا تزال تواجه تحديات تحد من وصولها إلى مواقع القرار؟ وما السبل الكفيلة بتعزيز حضورها؟ الجواب: سؤال مرهون بالسؤال رقم 6. أي السؤال السابق صحيح، المرأة حققت بعض المكاسب، السيما حينما لم أعد أسمع من بعض الرجال جملة «للمرا حاشاك»، وهي الجملة التي كنت أسمعها كثيرا في الستينيات والسبعينيات وحتى الثمانينيات، وكانت تؤلمني خصوصا حينما كنت أكون بجانب الحاجة أمي رحمها الله وأنا طفلها الأخير. المرأة ليست هي نصف المجتمع بل المجتمع كله. تقوية تعليم المرأة وتمكينها من الممارسة السياسية الفعلية بمرجعيات ثقافية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المجتمع المغربي وبعض خصيصاته المجتمعية الاجتماعية، الخ، كل هذا من الممكن أن يقوي وجودها في المؤسسات التمثيلية، ليس كرقم شكلي فقط بل كممارسة حقيقية نافعة للبلاد والعباد. لا يمانع في وصول المرأة إلى موقع القرار إلا من لازال عالقا في بقايا بعض الأحكام الظالمة للمرأة، هي قراءة أو فهم معين للدين أراد البعض أن يحول هذه القراءة أو الفهم إلى دين. السؤال 8: ما الرسائل التي تودون توجيهها إلى الشباب، خاصة الذين سيشاركون في الانتخابات لأول مرة؟ الجواب: طبعا، وكما قلت سابقا، فالسياسة فعل ثقافي نبيل، ومن بين تعاريفها المحبوبة لدي «فن تدبير الممكن»، بل أعتبرها شخصيا هي فن تحقيق الحلم. علينا تربية الشباب داخل المدرسة وطيلة تعلمه على التربية على السياسة بمفهومها الوطني والكوني، لهذا أومن أن العديد من الإشكاليات الصعبة ذات الصلة بالممارسة السياسية ببلادنا وجب بناؤها في المدرسة، وليس من خلال ممارسات تقنية محدودة في الزمكان. العديد من الشباب عوض أن يحرك عليه أن يبني نفسه ويصبر، وبالتالي قد يجد نفسه هو من يشرع نصا قانونيا يحمي به حومته على سبيل التمثيل لا الحصر. هناك من يريد أن يفرغ المدرسة من هبتها ورمزيتها وإقناعنا بلا جدوى التعلم، طريق التعلم صعب وشاق، وجب الصبر أولا. لهذا الشباب مطالب أن يلتصق أولا بحقه في التعليم والتربية والتكوين والثقافة والفن، إذا ما فعل وصبر على نيل هذا الحق، فبكل تأكيد سيساهم في تغيير حياة بلاده ولن يحرك، وإن هاجر سيفعل ذلك من بوابة قانونية. إذا أدرك شبابنا المغربي هذا الحق، الالتصاق بالمدرسة، العلم، سيدرك قيمة لعبة الديموقراطية والسياسة والمشاركة في كل مناحي هذه الحياة. بل وهو يحرك، وعلى سبيل المثال، فحقق حلمه المادي المالي، فهل يستطيع أن يحرك من ذاكرته العائلية والثقافية الشعبية ومن حومته ومدينته وقريته وعلاقاته الوجدانية والإنسانية؟ طبعا لا، قد يعود وهو محمل بملايين الدولارات ولكن قد يجد رئيس مدينته أو قريته، غير مدرك لطبيعة ما يرغب فيه من استثمار إن لم يطلب منه، لا قدر الله، أن يكون مالكا لربع المشروع. المسألة مركبة ومعقدة، وشخصيا أومن بأن العديد من حلول التركيب موجود في المدرسة، وإلى أن يتحقق حلم مدرسة عمومية جذابة وفاعلة في بناء المجتمع، على الشباب المشاركة واختيار الأفضل الذي يمثلهم، وهم الآن أقوياء تكنولوجيا ورقميا ومن الممكن معرفة العديد من الخبايا عن المرشحين. السؤال 9: هل ترون أن البرامج الانتخابية أصبحت معيارا حقيقيا في اختيار الناخب، أم أن اعتبارات أخرى ما تزال تؤثر في السلوك الانتخابي؟ الجواب: أعتقد أن البرامج الانتخابية مهمة، والأهم في اعتقادي صدقية المرأة أو الرجل الذي سيمثلنا ويدافع عن أحلامنا في وطن جميل نتقاسم فيه ربحه وفرحه وحزنه وخيراته وآلامه وآماله. أكتفي بهذا القدر الدال. السؤال 10: كيف يمكن الحد من ظاهرة العزوف الانتخابي، والتصدي للممارسات التي تمس نزاهة الاستحقاقات وتعزز فقدان الثقة؟ الجواب: لن أكون مملا إذا قلت لك مليون مرة أو كما يقال في الرياضيات زائد ما لا نهاية، فالجواب، هنا، هو في المدرسة والأسرة بطبيعة الحال، لكن ولظروف سوسيو اقتصادية، تغير حال الأسرة المغربية، والمقام هنا لا يسمح بتقديم هذه التفاصيل الخاصة بالأسرة المغربية، مما يجعلني أركز على ضرورة تبني إصلاح مجتمعي جذري لمنظومة التعليم والتربية والتكوين والبحث العلمي والثقافة ببلادنا. لا معركة حقيقية يمكن ربحها بشكل حقيقي خارج هذا الشرط، وفي انتظار ذلك يمكن خلق ورشات جمعوية، دور المجتمع المدني مهم جدا، ويمكن استغلال الشبكات التواصلية، وبقية مكونات الإعلام، دون إغفال لضرورة تطوير النصوص القانونية لتقوية الثقة في المواطن، مثل إعادة النظر في المستوى الدراسي الذي وجب أن يتوفر عليه مثلا عضو برلماني، الخ. هذه عناصر أساسية مهمة، ولكن يبقى حلم مشاركة حقيقية في بناء مؤسسات تمثيلية جد متطورة وقوية وشبيهة بما لدى الغير الذي قطع أشواطا كبيرة في هذا المجال. السؤال 11: ما الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المرشح الذي يستحق ثقة المواطنين وتمثيلهم داخل المؤسسة التشريعية؟ الجواب: في بعض البلدان الغربية، وربما حتى في تراثنا العربي الإسلامي، كان من يمثل الناس، يكشف عما لديه… إن دخل وخرج بما كان يملك فهو معيار حقيقي لنزاهته، والعكس صحيح. للتذكير، في بعض الدول الغربية كان يتم وزن من يمثل الناس في الميزان، عليه أن يخرج بنفس الوزن الذي دخل به. المرشح الذي في نظري لا يعي قيمة المغرب الحضاري، ولا يعي قيمة الترافع، والتدافع على التعليم والتربية والتكوين والبحث العلمي والثقافة ومرافقة المدينة أو القرية التي يمثلها، لا خير فيه. التجارب الناجحة هنا هي تلك التجارب التي تدرجت في العمل الحزبي دون تغيير الجلد، والجمعوي والنقابي والجامعي. كم من برلماني تمكن من خلق، على سبيل المثال، مؤسسة أو جمعية دائمة مدافعة على تنمية القرية أو المدينة التي يمثل؟ خصوصا الذي كرر البقاء في قبة البرلمان أو داخل الجماعة القروية أو الحضرية؟ مجرد سؤال. وهناك سؤال آخر: كم من برلماني ساهم بجزء من أجرته في تبني بعض المشاريع الثقافية أو التربوية الصغيرة والدالة؟ معايير دالة دون شك. هناك من قام بهذا فعلا في بعض المدن، تجارب محدودة جدا. ربما بعض الوجوه لا تخجل من نفسها وهي لا تتفقد أحوال قريتها أو مدينتها إلا مرة واحدة في خمس سنوات. ربما حان الوقت أيضا في الترافع من أجل نصوص قانونية تنظيمية تسير في ضرورة عدم تجاوز ولايتين تمثيليتين لكي نترك الفرصة للتداول ولمشاهدة وجوه جديدة. السؤال 12: في نظركم، ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به وسائل الإعلام، بمختلف مكوناتها، في مواكبة الانتخابات، وتعزيز الوعي الديمقراطي، ومحاربة الأخبار المضللة؟ الجواب: دورها مهم، السيما إذا وقفت على عتبة الوطن. السؤال 13: كيف رأيتم ما وقع في مدينة سبتة، ومحاولة آلاف الشباب، ومن بينهم أطفال وقاصرون، الهجرة بشكل جماعي؟ وما الرسائل السياسية والاجتماعية التي تعكسها هذه الأحداث؟ وهل ترون أنها تستدعي مراجعة السياسات العمومية الموجهة للشباب؟ الجواب: ظاهرة الحريك متجذرة في المجتمعات التي تتلمس طريقها نحو التقدم، وشخصيا اشتغلت على الموضوع في السينما المغربية، من خلال كتاب ألفته معنون بـ«صورة الهجرة في السينما المغربية من البداية حتى سنة 2007»، وأشتغل حاليا على الجزء الثاني من سنة 2008 حتى سنة 2025. في كل الأفلام التي طرحت موضوع الهجرة جزئيا أو كليا، ومن خلال الهجرة السرية، الحريك أو الهجرة القانونية، كل أبطال هذه الأفلام كان حلمها الهجرة، أشبعت غريزة المادة والجنس والمال لكنها وهي تكبر تصاب بضربة النوستالجيا وترغب في العودة إلى القرية التي كانت تنظر إليها من منظور التخلف. كل الطيور في كل العالم تعود إلى أعشاشها. ما وقع جزء من حلم ترسخ في ذاكرة الأجيال. الكثير من المغاربة يتذكرون كيف كان الإسبان؟ وكيف كانوا يدقون بابهم طلبا لبيع ثوب أو لأكل التاريخ مهم لأنه يذكرنا في الماضي ويحكي القصص الحقيقية. ما وقع له صلة ببقية الأجوبة التي قدمتها على مدى الأسئلة التي طرحت علي. تنمية مجتمعية حقيقية، لن تتحقق بتعليم عاجز على خلق جاذبية للمتعلم داخل مدرسته العمومية. تنمية المجتمع رهان كبير لا يمكن ربحه إلا بنخبة سياسية وطنية مدافعة عن الوطن والمواطن، بل وببورجوازية وطنية تعرف حدود الربح وكيفية الانخراط في بناء الوطن والمواطن، وليس طبقة تقوم بلي ذراع الدولة للحصول على المزيد من الربح، بل عليها أن تدرك أن الوطن في الغرب بنته البورجوازيات الوطنية التي كانت حريصة على حدوده وثرواته وخيراته ومدرسته العمومية وعلمه وبحثه، ومؤمنة بقيمة العامل ورفاهيته لتطوير العمل وتحقيق المزيد من الإنتاج، وفق تعاقدات هامة ومربحة للجميع. السؤال 14: في ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطنات والمواطنين بمناسبة الاستحقاقات التشريعية المقبلة؟ الجواب: الرسالة أوجهها لنفسي أنا أولا: كيف علي ألا أكون سلبيا؟ أمارس نقدا مفيدا لوطني، أي ممارسة النقد وليس النقض الهدم، ألا أبيع ضميري، أن أشارك وفي الوقت نفسه عيني على التعليم والتربية والتكوين والبحث العلمي والثقافة والعمل الجمعوي، لأن هذا هو ما يبنيني ويبني مستقبلي. لابد من الاشتغال على ذواتنا من خلال العمل الجمعوي وتحفيز المبادرات الحرة الصغيرة داخل العائلة والزنقة والحومة والدوار ووفق هدف نبيل يخدم الجماعة. التربية على الخدمة العمومية النافعة مفيدة لنا جميعا. من منا اليوم من لا يتذكر ثقافة التويزة التي ساهمت في بناء طريق الوحدة وغيرها من الأعمال الفلاحية والمنزلية العديدة؟ ثقافة العمل الجماعي المفيد للمواطن والوطن مفيد جدا. بداية التربية عليه توجد في المدرسة. من هنا وجب إحداث ثورة تربوية حقيقية داخل مدرستنا العمومية التي أعتز بكوني خريجها ولم يدفع أبي درهما واحدا لتعليمي ماعدا الربعية التي كنت أعطيها للفقيه أربعة ريالات. شكرا لالة ياسمين على هذا الحوار الذي أرجو أن أكون مفيدا فيه.
