فاطمة سهلي :
تعتبرالعمليات التنموية في أي بلد كالبذرة والنبتة التي تغرسها الدولة في التربة، فيعتمد نوع ثمرها، وجودة حَصادِها وفائدتها على نوع النبات المزروع، أي نوع ونمط التنمية الذي تتبعه هذه الدولة. فإذا كانت التنمية أحادية الجانب وتعتمد فقط على تحقيق النمو الاقتصادي السريع، فإن الثمرة ستكون خبيثة ورديئة وغير ناضجة، وسيكون الحصاد غير صالحٍ بل وضار، وعلى المدى البعيد ستفشل ولا يمكن الاستمرار فيها، ولكن إذا كانت التنمية شاملة تأخذ في الاعتبار تحقيق التنمية الاجتماعية والبيئية إلى جانب التنمية الاقتصادية، فإن الثمرة ستكون صالحة وطيبة وينتفع الجميع من هذا الحصاد الطيب، وبالتالي ستكون تنمية مستدامة عامرة للبلاد والعباد.
لقد كان لتسارع وتيرة الانتقال الديموغرافي والتعميربالمغرب وارتفاع أمد الحياة ان شهدت السوق الداخلية انفتاحا تدريجيا وغيرمتوقع فقد أعيدت عملية خلط الأوراق والأولويات، واصبح التركيز منصبا بالاساس على التنمية والاستقرار، اكثر من قضية الوصول إلى السلطة بأي ثمن،وتحول الحديث باللامبالاة بخصوص الشأن التنموي و الأضرارالتي كانت قد بدأت تحفر أخاديد في الواقع الاقتصادي، واصبح الحديث عن التنمية والاقتصاد وتحسين مستويات المعيشة للمواطنين حديث مأكول خيره. بسبب الخلل في الفكر السياسي المعارض الذي قاد حالة التأزم المفتعلل في خضم هذا عملت ورشة الإصلاح على قدم وساق لتغيير هذا الواقع لتجمع بين بعدي الإصلاح السياسي والنهوض التنموي وبين الديمقراطية والإصلاح وتحديث التشريعات واستقلالية منظمات المجتمع المدني، ومكافحة الفساد واعتماد الشفافية وتفعيل آليات الرقابة، واستقلال القضاء، وتنويع الاقتصاد، في إطار التوافق بين مكونات المجتمع، والاستشارة كفضاء يبرز طموحات المواطنين وتصوراتهم للمستقبل، حيث جاءت الرؤية الاقتصادية 2030، التي أطلقها جلالة الملك كثمرة لهذا الجهد لتحديد وجهة واضحة للتطوير المستمر للاقتصادعاكسة هدفاً أساسياً مشتركاً يتمثّل في بناء حياةٍ أفضل لكافة المواطنين
وكانت الدولة قد عملت على إرساء تقاليد مهمة في صنع القرار الوطني، والتأسيس لثقافة تعتمد التفكير الاستشرافي، لتوضيح الملامح العامة والتوجهات المستقبلية الكبرى التي تهم المجتمع ومستقبل البلاد، وقد أسهم هذا التوجه المدعوم بإرادة سياسية قوية، ومنهج عملي بمشاركة مختلف مكونات المجتمع، في رسم أهداف ملموسة والاستشراف القائم على الذكاء الجماعي والمقاربة العقلانية للتأثير على المستقبل بشكل إيجابي. لقد كانت نجاحات المملكة المغربية قد تحققت بفضل السياسات التنموية المتوازنة، فتمكنت من تحقيق درجات جيدة من النمو والتقدّم، بما مكنها من الارتقاء إلى مرتبة البلد العربي الذي يحصل على أفضل المؤشرات، سواء في مجال التنمية البشرية، أو في مجال نوعية الحياة، أو في مجال التربية والتعليم والخدمات الصحية، إلا أن الطموح لم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى العمل على وضع بناء الجهد التنموي بتحديد التزامات ملموسة ووعود محددة للمستقبل، تفرعت عنها برامج قطاعية، ومقترحات واضحة في الاستراتيجية الوطنية، حيث دعت هذه كافة المواطنين بمختلف فئاتهم إلى العمل معا من أجل الارتقاء بالمغرب وتحقيق التنمية والازدهار للجميع، ومضاعفة الجهد للتعجيل بهذا التلاقي، كي يتم تحقيق الأهداف مع نهاية العام 2030م، وتلافي بعض الظواهر السلبية -التي لا ترتبط جميعها بمحدودية الإمكانيات، وإنما ترتبط أيضا بالحاجة الملحة إلى التخطيط طويل المدى وإلى الرؤية الاستشرافية- مثل الضغط المتزايد على الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وإسكان، وإعادة توزيع الدعم وتنويع مصادر الدخل وجذب المزيد من الاستثمار، ومواجهة انخفاض الموارد النفطية وتقلبات السوق العالمية، وكيفية العمل على تحسين نوعية حياة المواطن والارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية، وتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق هذه الأهداف، وفقا للأولويات الوطنية المرحلية، والتي يترجمها شعار: ”جعل الخيارالمواطن المغربي الأفضل في سوق العمل، وجعل التنمية في خدمته”، وعلاوة على ذلك شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منعطفا بارزا أدرج العنصر البشري في صميم النموذج التنموي الوطني، وأعطت دفعة قوية للجهود الهامة المبذولة من أجل تدارك التأخر المسجل في بعض المجالات الاجتماعية، منها تخفيض نسبة الامية، وتعميم الولوج إلى التعليم، والولوج إلى الماء الصالح للشرب والكهرباء وتجسيما لهذه الأولوية الوطنية يتم خلال المرحلة المقبلة بذل المزيد من الجهد للإسراع في تحقيق الأهداف الاستراتيجية للتنمية، وهي الارتقاء بجودة حياة المواطن مستوى عيش أفضل وبمستوى الرّفاه الاجتماعي، واللحاق بمصّاف البلدان ذات المؤشر الأعلى للتنمية البشرية، لتحسين الدّخل الفردي ضمن الإطار الزمني للرؤية الاقتصادية 2030 وتقليص نسبة البطالة إلى الحدود الدنيا، وتحقيق نتائج اقتصادية أفضل، وبلوغ مؤشرات تنمية اجتماعية وبشرية أرفع، ويكون تجسيد ذلك عبر تنفيذ الشروط الأساسية المتعلقة بتنويع الاقتصاد ومصادر الدخل، وتسريع نسق النمو عبر اندماج أكبر في الاقتصاد الدولي، ودعم سياسة تنويع الدخل، وتطويرها وإضفاء مزيد من الفعالية عليها، في إطار مقاربة متجددة للتضامن الوطني للحد من مظاهر الفقر والحرمان، وتكثيف البرامج الرامية إلى تحسين أداء الإدارة الحكومية، ومزيد الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين وللمستثمرين، إذ أصبحت الإدارة الحكومية مطالبة بالتحسين المستمر لخدماتها، بما يسهم في تسريع نسق النمو، ودفع الاقتصاد إلى تحقيق نتائج أفضل، وتطوير الإنتاجية، والتركيز على الجدوى والفعالية، وإدارة الموارد العامّة برشد من أجل تحقيق قدر من الفعالية والجدوى، بأكبر قدر ممكن من العدالة. إن التأسيس للمستقبل ليس مسؤولية فردية، بل هو عمل جماعي تسهم فيه كل مكونات المجتمع بمختلف فئاته، وفي مقدمتها الجمعيات السياسية التي يفترض ان تكون حريصة على تركيز جهدها على العمل على تحسين مستوى عيش المواطن والمحافظة على مصادر استقراره ورزقه ورفاهيته، والموازنة بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي – الاجتماعي خاصة في الوسط القروي، بالاضافة إلى فك العزلة عن العديد من المناطق القروية
كما عززت بلدنا مكانتها كوجهة إقليمية لجلب الاستثمارات ألاجنبية المباشرة، وكقطب للأمن والاستقرار باعتراف من المجموعة الدولية وعلى مستوى للعمل الاجتماعي والتضامني، وفي الجانب االقتصادي، سجل المغرب مستوى إيجابيا من النمو كما باشر نسبيا عملية تنويع بنيته الإنتاجية والارتقاء ببعض القطاعات بفضل السياسات القطاعية الجديدة وقد دعمت هذه السياسات القطاعية مشاريع كبرى مهيكِلة مكنت من إنجاز بنيات تحتية كبيرة، وتحسين الربط الداخلي والدولي ، وتعزيز صعود أقطاب تنموية جهوية في افق تعميم هذه القفزة على مستوى كل الجهات .