حين تنازعت ارشيدة وفقوس على دفن الولي الصالح سيدي يعقوب(بحرف: ݣ)

0
pub top

فاس: محمد أمقران حمداوي

في قلب سلسلة جبال الأطلس المتوسط الشرقي، حيث لا يزال عبق الزوايا والصلاح يملأ تضاريس المكان، يحتفظ دوار “فقوس” بجماعة افريطيسة / قيادة تانديت / إقليم بولمان ، بذاكرة روحية متجذرة في التاريخ، تنبع من سيرة الولي الصالح سيدي يعقوب بن عبد الواحد الإدريسي الحسني، الذي تحوّلت حياته ووفاته إلى محور روايات متواترة، تمزج بين الواقع والأسطورة، وتمنح الزاوية اليعقوبية في “فقوس” مكانة استثنائية في الوعي الديني الشعبي.

النسب الشريف والمرجعية الروحية للولي الصالح سيدي يعقوب ( بحرف: ﯕ )

ينتسب سيدي يعقوب إلى الأشراف الإدريسيين الحسنيين، أي إلى نسل مولاي إدريس الأول مؤسس الدولة الإدريسية بالمغرب. وقد عُرف خلال حياته بالزهد، والإصلاح بين الناس في نواحي بولمان وجرسيف وفاس. وتوارثت عنه قبيلة “فقوس” الدعوة إلى الخير، وخدمة الفقراء، وإصلاح ذات البين، إلى جانب ما يُروى عنه من كرامات وبركات ما زالت تتردد على ألسنة أهالي المنطقة.

الزاوية اليعقوبية… منارة روحية

تُعد الزاوية اليعقوبية في دوار “فقوس” من أقدم الزوايا الصوفية في منطقة بولمان، وهي تستقطب زوارا ومُريدين من مختلف الجهات، وخاصة من تلامذته وذريته. وفي السنوات الأخيرة، قام المجلس العلمي المحلي لإقليم بولمان، بتنظيم مواسم علمية ودينية داخل الزاوية، مثل مجالس “أهل الذكر”، وندوات حول التصوف والإصلاح الاجتماعي، أبرزها ندوة سنة 2022 بعنوان: “الزاوية اليعقوبية… مدرسة في التربية الروحية والإصلاح المجتمعي”

ضريح الولي الصالح سيدي يعقوب

يوجد ضريح سيدي يعقوب في قلب الزاوية، بموقع مرتفع تحيط به الأشجار، ويُزار خلال مواسم الزيارة من قبل سكان المناطق المجاورة مثل الشوارب، بلقاسمات، بنعيادات، لكصير، رﯕو، السخونة، الغويرات، عيوش، تانديت، أوطاط الحاج، لمريجة، جرسيف، تازة… وفاس. وحسب سجلات الشرفاء اليعقوبيين، فإن سيدي يعقوب هو الجد الأعلى لعشرات الأسر الممتدة في شرق المغرب، خاصة بين بولمان وفاس والريف الأوسط.
رواية الصراع الرمزي بين “ارشيدة” و”فقوس”
من أغرب ما يرويه كبار السن بالمنطقة، تلك الرواية الشفوية المتواترة عن “صراع رمزي” بين ارشيدة (عمالة جرسيف) وفقوس (جماعة افريطيسة)، حول مكان دفن سيدي يعقوب بعد وفاته. فقد اختلف أتباعه، بين من رأى أن مكان دفنه يجب أن يكون ب “ارشيدة”، حيث نشر العلم وله مريدون، وبين من أصرّ على دفنه في “فقوس”، حيث توجد زاويته، وأهله، وأحفاده.

إشارات غيبية وأسطورة متداولة

تقول إحدى الروايات أن أهل أرشيدة حاولوا نقل الجثمان شرقا، لكنه أصبح ثقيلا لا يُحرَّك. وهناك من يروي أن ضوءا سماويا خرج من الجثمان واتجه غربا نحو “فقوس”، فاعتُبِر الأمرُ “إشارة إلهية” على أن المكان المناسب لدفنه هو الزاوية التي بناها بيده. استسلم الطرفان أمام هذا الحدث، ودُفِن سيدي يعقوب في الزاوية اليعقوبية، التي أصبحت لاحقا مقصدا ومحَجّا للزيارة ومصدرا للبركة.

الولي الذي وحّد القبائل

قد يكون الصراع حول مكان دفنه شكليا، لكن الحقيقة الأعمق أن سيدي يعقوب وحّد ارشيدة وفقوس، وتانديت وأوطاط الحاج وبولمان وجرسيف، في ذاكرة واحدة. ذاكرة لا تزال حية، تتحرك مع المريدين والزوار، وتُتلى في المجالس والمواسم، وتجد صداها في ضوء الشموع وأهازيج الدعاء عند ضريحه الخاشع.

تأملات أنثروبولوجية

ورغم غياب وثائق مكتوبة تثبت هذه القصة، إلا أن الرواية الشفوية تكشف عن:
– مكانة الأولياء الروحية في المخيال الجماعي. – رمزية دفْن الولي باعتبارها شرفا وقيمة دينية واجتماعية. – تنافس غير صدامي بين القبائل للاحتفاظ بالكرامة الرمزية للولي. يؤكد باحثون أن مثل هذه الروايات تستحق التوثيق الأنثروبولوجي، لأنها تضيء جانبا من الهوية الدينية المحلية، وتُظهِر كيف تحوّل الأولياء إلى رموز جامعة في زمن الانقسام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.