تقوية المؤسسات المنتخبة بالمغرب

0
pub top

16 أبريل 2026
عبد الرحيم الرماح*

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية للغرفة الأولى التي ستجرى يوم 23 شتنبر 2026 أصبح موضوع تقوية المؤسسات المنتخبة يحظى باهتمام واسع لدى الفاعلين السياسيين على كافة المستويات، وكان الأمر يتطلب أن يظل هذا الموضوع حاضرا بشكل دائم وأن يعطى له الأهمية التي يستحق وفق مقاربة شمولية وليس بكيفية موسمية كلما اقترب موعد الانتخابات، لما لذلك من علاقة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والسياسية ولكونه موضوع يعني جميع فئات المجتمع على حد سواء، مما يستوجب بالإضافة إلى التغييرات والتعديلات التي أدخلت على القوانين المنظمة لانتخابات مجلس النواب أن تتم إزالة الاختلالات التي تحول دون ذلك وهو ما يتضح عند استعراضنا للموضوع من مختلف جوانبه والذي سأتناوله من خلال خمسة محاور على الشكل التالي :
المحور الأول – طريقة إعطاء التزكيات :
خلال المراحل الماضية كانت عملية إعطاء التزكيات وخاصة عند الأحزاب الوطنية والديمقراطية واليسارية تراعي بالأساس وجهة نظر القواعد من خلال عدة مستويات بدءا من مكتب الفرع ثم مجلس الفرع إلى الكتابة الإقليمية ثم المجلس الإقليمي ، وبعد إحداث الجهات أصبح يتطلب ذلك المرور إلى الكتابة الجهوية ثم المجلس الجهوي بالنسبة للحالات التي لها علاقة بالجهات ثم المكتب السياسي أو اللجنة التنفيذية أو الأمانة العامة أو غيرها حسب التسمية التي يطلق عليها من طرف هذا الحزب أو الحزب الآخر، وكان يتم الأخذ بعين الاعتبار بالانتماء الحزبي والتشبث بالقيم الدينية والأخلاقية وفق مقولة المرحوم عبد الرحيم بوعبيد “السياسة أخلاق”، وهو ما كان ينتج عنه منتخبون يتحلون بالجدية والمصداقية والحضور الدائم في القيام بمهامهم ومسؤوليتهم وإن كان الأمر في كثير من الأحيان يتطلب ساعات طويلة تمتد إلى آخر أوقات الليل، غير أن هذه المنهجية لم يعد اعتمادها من طرف جل الأحزاب ، وبالنسبة للأحزاب الإدارية فهي تعتمد غالبا على الوضع المالي للمرشح ومدى قدرته على الفوز بالمقعد بأية طريقة كانت وهذا لا يعني أن جميع المنتخبين عن هذه الأحزاب لا تتوفر فيهم الجدية فهناك منتخبون أثبتوا نزاهتهم وكفاءتهم، ومن هنا يتضح أن تقوية المؤسسات المنتخبة لها علاقة بمصداقية المنتخبين ونزاهتهم.
المحور الثاني – استعمال المال الحرام :
رغم الإجماع الحاصل ظاهريا على ضرورة محاربة استعمال المال الحرام غير أن هذا الموضوع لا يعطى له ما يستحق من أهمية رغم خطورته ويتضح أن نسبة كبيرة من الأحزاب تتعامل بخطاب مزدوج في الوقت الذي ترفضه على مستوى الخطابات والبيانات غير أنها تعتمده بشكل أساسي على المستوى العملي وهو ما تكون له انعكاسات جد سلبية، وبالرجوع إلى المراحل الماضية بالنسبة للانتخابات التي جرت في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وخاصة في المدن الكبرى وفي الأحياء البورجوازية ووسط الطبقة العاملة وفي العديد من القرى كان هناك شبه إجماع على رفض استعمال المال الحرام إلى درجة أن الذين كانوا يأخذون المال الحرام من مرشحي الأحزاب الإدارية لا يصوتون عليهم مثل ما كان يقول السي عبد الرحيم بوعبيد رحمه الله : “أموالهم حلال عليكم وأصواتكم حرام عليهم” غير أنه على مراحل أخذت هذه الظاهرة تتوسع إلى أن عرفت أوجها خلال الانتخابات التي جرت سنة 2021 حيث أصبح استعمال المال الحرام لا يخفى على أحد وهو ما يشكل خطورة على مصداقية ووضعية المؤسسات المنتخبة ، فالمال الحرام اضحى معطى هيكليا وأصبح عدد كبير من تجار الانتخابات يستعملونه كمورد للرزق ومع الأسف يتم التساهل مع هذه الظاهرة في كثير من الأحيان من طرف السلطات، وهو ما يتطلب وضع برامج بمشاركة جميع الأحزاب السياسية والجمعيات الحقوقية وجمعيات محاربة الفساد من خلال تنظيم ندوات توعوية وتحسيسية على مستوى جميع الجهات والأقاليم وعبر وسائل الإعلام ومن طرف المجلس العلمي الأعلى عن طريق الوعض والإرشاد وخطب الجمعة من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مسؤولية تقع على جميع المواطنين والمواطنات وجمعيات المجتمع المدني وبذلك يمكن القضاء على هذه الظاهرة المقيتة باستثمار ما يتوفر عليه المغاربة من قيم أخلاقية.
المحور الثالث – البرامج الانتخابية وترجمتها على أرض الواقع :
إن تقوية المؤسسات المنتخبة يتطلب وضوح البرامج الانتخابية وأن لا يكون الهدف هو المشاركة في الحكومة على حساب المبادئ والقيم ، حيث يلاحظ أن هناك تقارب كبير بين جل البرامج إلى درجة أنه لا يمكنك التمييز بين برامج أحزاب اليمين وبرامج أحزاب اليسار حيث يجب أن تكون هذه البرامج متطابقة مع المرجعيات الفكرية والإيديولوجية والسياسية للأحزاب، حتى تكون لها أهداف واضحة وأن يكون لها تأثير قوي لدى المواطنين وحتى تكون للسياسة معنى ، فما يلاحظ هو أن هناك تناقض كبير بين برامج أحزاب الأغلبية الحكومية والبرنامج الحكومي وبين التدبير العملي للحكومة كما أن هناك تناقض بين البرنامج الحكومي وبين القوانين التي تمت المصادقة عليها أو التي لا زالت تتم مناقشتها داخل البرلمان، والتي تعطي صورة سلبية عن عمل البرلمان علما بأن قوة البرلمان لا تكمن في عدد القوانين التي تمت المصادقة عليها بل تكمن بالأساس في محتوى ما يتم التوصل إليه فيما يتعلق بتوسيع الحريات العامة وتقوية الأوضاع الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وتقوية مجالات الديمقراطية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع منسوب ثقة المواطنين بالبرلمان، كما أن هناك تراجع كبير في أداء المعارضة مقارنة مع ما كان عليه الوضع سابقا بسبب تباين توجهاتها وبسبب غياب برنامج دقيق وموحد من طرفها حول كل القضايا المطروحة وذات الأهمية وبسبب عدم استثمارها للتطورات الحاصلة في المجتمع على كافة المستويات، ورغم أهمية وطبيعة القضايا المطروحة على الساحة الوطنية في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يلاحظ اتساع الهوة بين المؤسسات المنتخبة وبين المجتمع ، ورغم الحملات التي يتم القيام بها من أجل الرفع من المشاركة يظهر أنها لا تحقق النتائج المطلوبة بل على العكس من ذلك تتسع ظاهرة العزوف عن المشاركة ، ويعود سبب ذلك بالأساس إلى ما أشرنا إليه سابقا من كون الحملات الانتخابية لا يصاحبها نقاش فكري وإيديولوجي حسب مرجعيات الأحزاب .
المحور الرابع – آفاق الانتخابات التي ستجرى سنة 2027 :

مباشرة بعد الانتخابات التي ستجرى في 23 شتنبر 2026 يتطلب الأمر مواصلة العمل في أفق الانتخابات التي ستجرى سنة 2027 لأجل الوقوف على الاختلالات والتي يعود بعضها إلى مراجعة القوانين ويعود بعضها الآخر إلى غياب الصرامة خاصة أمام ما تعرفه الجماعات الترابية حيث وصل عدد كبير من المنتخبين الذين تحوم حولهم شبهات الفساد إلى مواقع المسؤولية، مما كانت له آثار سلبية على سير الجماعات وعلى مصالح المواطنين كما أنه أعطى صورة مشوهة على المؤسسات المنتخبة، مما يتطلب معه الحرص على ضمان الشفافية في انتخابات الجماعات الترابية أمام ما عرفته الانتخابات السابقة من تجاوزات.

المحور الخامس – تفعيل آليات التخليق :
يتطلب الموضوع تفعيل آليات التخليق إذ يلاحظ أن هناك تقصير كبير من طرف الأحزاب السياسية لكونها تتغاضى عن التجاوزات التي تقع من طرف منتخبيها إلا في الحالات التي تصبح فيها محرجة أمام المواطنين وهو ما يتطلب إحداث لجان التخليق في جميع الأجهزة الحزبية على كافة المستويات محليا وإقليميا وجهويا ووطنيا، كما يتطلب إحداث لجان التخليق على مستوى الجماعات الترابية وتفعيل ميثاق الأخلاقيات على مستوى البرلمان بغرفتيه الأولى والثانية بإحداث لجن موضوعاتية لمتابعة الموضوع من مختلف جوانبه بما في ذلك ظاهرة الغياب عن الجلسات وعن أشغال اللجان الدائمة والتي أصبحت مستفحلة في الغرفتين مع مراعاة طبيعية ودقة المرحلة التي يمر بها المغرب أمام تحديات التي تشهدها القضية الوطنية وتحسين صورته على المستوى الدولي.

* مستشار جماعي سابق
نائب برلماني سابق
مستشار برلماني سابق
رئيس المنتدى المغربي للتنمية الاجتماعية

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.