الرباط تكتب مساءها الثقافي بحبر السينما
ياسمين الحاج
في مدينة تعرف كيف تُنصت لنبض الحرف، وتجيد تحويل المساءات إلى ذاكرة حيّة، احتضنت الرباط لقاءً استثنائياً جمع بين سحر السينما ووهج الكلمة، في سياق احتفائها بلقب العاصمة العالمية للكتاب 2026. هناك، في فضاء “Joum’art”، لم يكن المقهى الثقافي مجرد مكان، بل تحوّل إلى منصةٍ نابضة بالحوار، حيث نظّمت شبكة المقاهي الثقافية بالمغرب لحظة فكرية رفيعة، استضافت فيها الدكتور والمخرج السينمائي المبدع بوشعيب المسعودي.
لم يكن اللقاء عابراً، ولا عاديّ التفاصيل؛ بل بدا كأنّه فسحةٌ لتبادل الرؤى بين مثقفين حملوا همّ الإبداع، وسعوا إلى إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الفن ودوره في صياغة الوعي. وقد وصف المسعودي هذه اللحظة بـ”الماتعة والممتعة”، وهو توصيف لا يعكس فقط دفء اللقاء، بل عمقه أيضاً، حيث تداخلت التجارب وتقاطعت الحساسيات الفنية في تناغمٍ لافت.
وزاد المشهد إشراقاً حضور أصوات شعرية نسائية وازنة، من قبيل الشاعرة سميرة جودي، وعلية الإدريسي، ورشيدة الشانك، حيث منحت القصيدةُ للنقاش بعداً جماليا خاصا، وجعلت من الكلمة جسراً يعبر منه الحضور نحو تخومٍ أكثر إنسانيةً وشفافية. لقد كان الشعر، في تلك اللحظة، شريكاً حقيقياً للسينما، لا مجرد مكمّلٍ لها.
وفي كلمته، عبّر الدكتور بوشعيب المسعودي عن امتنانه العميق لكل من أسهم في إنجاح هذا الموعد الثقافي، موجهاً تحية تقدير للأستاذ نور الدين أقشاني، والفنان محمد الإشراقي، والإعلامي عبد الكبير نفوري، والدكتور أبو الوفاء البقالي، والأستاذة حفصة رشيد. كما أكد أن مثل هذه اللقاءات تفتح آفاقاً جديدة للتفكير المشترك، وتُغني الساحة الثقافية الوطنية بتعدد أصواتها وتنوع تجاربها.
ويأتي هذا الموعد ضمن سياق مسار متنامٍ للمسعودي، الذي نجح في بناء تجربة فريدة تتقاطع فيها مهنة الطب مع شغف السينما والتوثيق، في رؤيةٍ تُعيد الاعتبار للفن كوسيلة لفهم الإنسان، لا مجرد وسيلة للفرجة. وهو المسار الذي سبق أن سُلّط عليه الضوء في لقاءات فكرية أخرى، من بينها المنتدى الفكري لجمعية “تياترو الهدهد” ببرشيد.
إن ما جرى في الرباط لم يكن مجرد نشاط ثقافي ضمن أجندة احتفالية، بل كان دليلاً إضافياً على حيوية المشهد الثقافي المغربي، وقدرته على خلق فضاءات بديلة تُقَرِّب الفن من الناس، وتُعيد الاعتبار للحوار كقيمةٍ إنسانية نبيلة. وهكذا، تواصل الرباط كتابة فصولها الثقافية، لا بالحبر وحده، بل بالصورة، بالصوت، وبكل ما يجعل الإبداع ممكناً ومُشتركاً.
















