فاطمة سهلي طنجة
‘سياسات الضيافة’ او رعاية الغرباء والأجانب واللاجئين من رعايا الدول الأخرى عُرف من أعراف العلاقات الدوليَّة، التي دعت الحاجة إلى وجودهم في دول غير دولهم ومواطنهم الأصليَّة التي وُلدوا ونشأوا فيها، وحملوا عادتها وقيمها وتقاليدها، والوفاء تجاههم بالحقوق كافة المنوطة بهم، التي تقرُّها ‘سياسات الضيافة’ بحسب التقاليد والأعراف الدوليَّة. ومن أهمّ هذه الحقوق التي تضمنتها ‘سياسات الضيافة ‘
والتي يكتسبها هؤلاء الأجانب بمجرَّد السماح لهم بدخول الحدود الإقليميَّة للدولة المستضيفة: توفير المأكل والمسكن والرعاية الصحيَّة والنفسيَّة، ومساعدتهم في العثور على فرص عمل وفرص تعليميَّة، وحمايتهم من أيَّة أخطار قد تحيق بهم
لكن مع حرص جُلّ الدول على رعاية الغرباء والأجانب واللاجئين من رعايا الدول الأخرى، تظلُّ موجات التمييز بينهم وبين المواطنين الأصليين قائمة، مهما حرصت هذه الدول على الظهور بالمظهر المتحضّر الذي ينفي وجود أيَّة تمييزيات قائمة على الدين أو العرق أو اللون أو الجنس أو الجنسيَّة الأصليَّة بين مواطنيها. وإذا كانت حدَّة هذا الأمر قد انحسرت بدحر النازيَّة في المدَّة ما بين نهاية الحرب العالميَّة الثانية ومنتصف الخمسينيات من القرن الماضي، فإنَّها قد عادت لتزدهر بقوَّة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وخاصَّة مع تزايد أعداد المهاجرين إلى أوربا، وتنامي الشعور العام في معظم الدول الأوربيَّة بأنَّ الهويَّة الغربيَّة الأوربيَّة صارت عرضة لخطر التلاشي والانهيار، لتزداد حدَّة التمييزات العنصريَّة، وظهرت أحزاب وحركات تدعو إلى طرد الغرباء والأجانب وترحيلهم إلى بلدانهم الأصليَّة تحت حجج اقتصاديَّة تارة، وسياسيَّة تارة أخرى، وثقافيَّة واجتماعيَّة تارة ثالثة. ونال المهاجرون المسلمون القدر الكافي من التمييز والاضطهاد في معظم الدول الغربيَّة سواء الولايات المتحدة أم دول الغرب الأوربي، وخاصَّة في ما عُرف باسم اليمين المتطرّف
دخلت إيطاليا مرحلة جديدة في تاريخها مع فوز جورجيا ميلوني زعيمة حزب ”إخوة إيطاليا” في الانتخابات التشريعيّة على رأس ائتلاف يتحتم عليه التوافق على تشكيلة حكومية حيث جمعت ميلوني أكثر من 26% من الأصوات، في حين حصل ائتلافها على نحو 44% من الأصوات، مما ضمن لها أغلبية في مجلسي النواب والشيوخ وبدلك تصبح جوليا ميلوني أول رئيسة وزراء في تاريخ إيطاليا
وحرصت ميلوني على طمأنة المخاوف الداخلية والخارجية، خاصة الأوروبية؛ فقالت “سنحكم من أجل جميع
وترفع ميلوني شعار “الله، الوطن، الأسرة”، وتشمل أولوياتها إغلاق الحدود الإيطالية لحماية البلاد من “الأسلمة” وإعادة التفاوض بشأن المعاهدات الأوروبية لكي تستعيد روما السيطرة على مصيرها، ومحاربة “مجموعة الضغط لمجتمع الميم (المثليين)”، و”الخريف الديمغرافي” للبلاد التي تسجل أعلى متوسط أعمار بين الدول الصناعية بعد اليابان مباشرة الإيطاليين
وقد وضع اليمين على قائمة مرشحيه امرأتين مسلمتين، هما “سعاد سباعي” عن حزب ‘ليغا نورد ‘ بقيادة سالفيني ، و سارة كيلاني” عن “إخوان إيطاليا” بقيادة “ميلوني
ما هو اليمين المتطرّف؟
تنقسم الأحزاب اليمينيَّة إلى يمين تقليدي، ويمين متطرّف؛ يسعى اليمين التقليدي للحفاظ على التقاليد وحماية الأعراف داخل المجتمع، بينما يسعى اليمين المتطرّف إلى التدخل القسري، واستخدام العنف للحفاظ على التقاليد والأعراف، والتعصُّب القومي لجنسه، والتعصُّب الديني، ومعاداة المهاجرين بشكل عام، والمهاجرين المسلمين بشكل خاص؛ لأنَّه يرى أنَّ ما يحدث من جرائم، وسرقات يعود إلى زيادة الهجرة بشكل عام، وهجرة المسلمين بشكل خاص
وتتعدَّد تعريفات اليمين المتطرّف، لكنَّها تتفق في الأهداف والرؤى؛ فاليمين المتطرّف في تعريفه الابتدائي البسيط المباشر هو الإيمان بأنَّ البشر ليسوا سواسية، وإنَّما هم مقسَّمون إلى جماعات بعضها أفضل من بعض. وتبدو أبرز صور هذا التفضيل والتقسيم، من وجهة النظر تلك، في الناحية العرقيَّة. وذلك على العكس تماماً من اليسار المتطرّف الذي يؤمن بأنَّ الجميع سواسية، ولا فضل لأحد على آخر بأيّ حق كان، فهو يسعى لهدم أشكال الطبقيَّة والفوقيَّة والدونيَّة كافة في المجتمع، تلك الأشكال التي يتبنَّاها اليمين المتطرّف، وإن كان لليسار المتطرّف أيضاً مساوئه
إذاً، اليمين المتطرّف مصطلح سياسي يُطلق على التيارات والأحزاب السياسيَّة لوصف موقعها ضمن محيطها السياسي، ويطلق المراقبون السياسيون هذا المصطلح على كتل الأحزاب السياسيَّة، التي لا يمكن اعتبارها ضمن جماعات اليمين السياسيَّة التقليديَّة التي تدعو إلى حماية التقاليد والأعراف داخل المجتمع. ويكمن الاختلاف الوحيد بين جماعات اليمين التقليديَّة أو المعتدلة وبين المتطرفة في أنَّ الأخيرة تدعو إلى التدخُّل القسري واستخدام العنف واستعمال السلاح لفرض التقاليد والقيم. ولذلك ترفض عادةً تلك التيارات هذا النعت؛ لأنَّها تزعم أنَّها تمثل الاتجاه العام، وتنقل صوت الأغلبيَّة
وتكمن خطورة اليمين المتطرّف بشكل خاص في أنَّه يستقي استمراريته من كونه «نزعة طبيعيَّة» لدى البشر، وهذا أمر يجد جذوره في كون الإنسان جزوعاً من المجهول والغريب والأجنبي منذ مولده، وعليه كان التصاقه بالمعروف (الأسرة والعشيرة والقبيلة والعِرق والثقافة والوطن على التوالي)، والدفاع عنها ضدَّ ما يهدّد وجوده. وبناء عليه يمكننا القول إنَّ اليمين المتطرّف طبيعة يولد الإنسان بها ولا مناص منها، لكن قد يكبح الإنسان جماحها بالتعليم والاستنارة وسعة الصدر وقد تعدَّدت الأحزاب السياسيَّة التي تمثل اليمين المتطرّف في الغرب الأوروبي والأمريكي على السواء، ولكنَّ الجدير بالذكر أنَّه لا يوجد اتفاق واضح بين المنظّرين السياسيين على تقديم تعريف جامع مانع لليمين المتطرّف ينطبق تمام الانطباق على كلّ الأحزاب التي تمثله، ولكن يمكن الوقوف على بعض السمات العامَّة التي يشترك فيها أيُّ برنامج سياسي لأيّ حزب يميني متطرّف، ومنها: مناصبة الأجانب العداء، والدعوة إلى الحدّ من موجات الهجرة؛ بل ترحيل المهاجرين الغرباء، ورفض الأقليَّات والتعدديَّة الوطنيَّة، والاعتزاز بالقديم والدعوة إلى المحافظة عليه باسم الحفاظ على الهويَّة، والدفاع عن التقاليد القوميَّة التاريخيَّة
ويرى بعض الباحثين أنَّ الأحزاب اليمينيَّة المتطرّفة على اختلافها تفتقر، بصورة كاملة، إلى أيّ برنامج سياسي إصلاحي يتَّصل بهموم الناس الحقيقيَّة، مثل الوظائف والتعليم والصحَّة؛ إلا أنَّها تعتمد بشكل أساسي على زعم حماية حقوق السكان الأصليين من هؤلاء المهاجرين الذين يسرقون الوظائف وقوت الشعب، فهم يربطون دائماً بين الهجرة والبطالة، كما أنَّهم يجتمعون على تأكيد اقتران اليمين المتطرّف بالإيديولوجيا الفاشيَّة؛ بل يتمُّ تصنيف المنتمين إلى تلك الأحزاب اليمينيَّة المتطرّفة بأنَّهم «الفاشيون الجدد». وعلى الرغم من ذلك يمكن القول إنَّ هذه الأحزاب اليمينيَّة المتطرّفة تجتمع على عدّة سمات أهمُّها: تقديس القوميَّة، والتمييز العرقي، ورفض المساواة الفرديَّة، وتركّز على التجانس الإثني، والعداء للأجنبي، ومقت المهاجرين، وحفظ القانون والنظام، والنظرة الشوفينيَّة للرفاهيَّة، حيث يجب على الدولة أن تضمن، من خلال سياستها الاجتماعيَّة، رفاهية أفراد الأمَّة دون الأجانب. وهي أحزاب تؤمن بمركزيَّة عالية، ونظام هرمي مرتكز على شخصيَّة القائد الكارزميَّة، وتستعمل الشعبويَّة أسلوبَ فعلٍ للتسويق السياسي
أدَّت عوامل كثيرة إلى انتشار اليمين المتطرّف في الغرب الأوروبي والأمريكي؛ منها ما يتعلق بالغرب ذاته، ومنها ما يتعلق بالمهاجرين المسلمين أنفسهم. ويمكن تقسيم أسباب صعود اليمين المتطرّف إلى أسباب اقتصاديَّة وسياسيَّة وأمنيَّة؛ وتتمثَّل الأسباب الاقتصاديَّة في الأزمة الماليَّة العالميَّة، التي برزت على السطح والتي أدَّت إلى انتشار البطالة في أوروبا والركود الاقتصادي. ومع زيادة الهجرة، بدأ بعض الأوربيين ينظرون إلى المهاجرين على أنَّهم مزاحمون لهم في وظائفهم، وهنا ظهرت دعوات للتضييق على المهاجرين، ودعوات عدائيَّة ضدَّهم، كما تسبَّبت الأزمة الاقتصاديَّة في صعود اليمين في مختلف أنحاء العالم الغربي، وتزايد شعبيته لتجاوز الخسائر الماديَّة التي لحقت بدول الاتحاد الأوربي، الأمر الذي أدَّى إلى ردود فعل غاضبة أدَّت إلى تزايد الإقبال على اليمين المتطرّف
أمَّا الأسباب السياسيَّة، فتتركَّز في أنَّ اندماج الدول الأوروبيَّة في الاتحاد الأوروبي أشعل اهتمام الأوروبيين بأصولهم القوميَّة، كلّ دولة على حدة، الأمر ذاته الذي بدا ملحوظاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وظهور مجموعة من الدويلات التفتت إلى أصولها العرقيَّة، وبدأت النزعات القوميَّة تنمو مرَّة أخرى. كما أدَّت الأحداث السياسيَّة في الشرق الأوسط، التي عرفت باسم ثورات «الربيع العربي»، إلى تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا، ما عزَّز موقف أحزاب اليمين المتطرّف للحد من خطر هؤلاء المهاجرين. كما يبقى عدم الرضا الشعبي عن أداء الأحزاب اليمينيَّة التقليديَّة عاملاً سياسياً مهمَّاً، بالإضافة إلى الرغبة الجماهيريَّة في التغيير. أمَّا الأسباب الأمنيَّة، فإنَّها تتركَّز أوَّلاً في تلك الهجمات الإرهابيَّة التي ضربت العديد من الدول الأوربيَّة، وعلى رأسها تفجيرات مدريد في 11 مارس 2004 ، التي راح ضحيتها 191 شخصاً ، أو هجمات باريس في 2015 ، التي راح ضحيتها 140 شخصاً ، أو تلك الهجمات التي حدثت في لندن في 2005 ، و 2015 ، أو في الدانمارك وألمانيا وغيرها، حيث دفعت هذه الأعمال الإرهابيَّة بنجم الأحزاب اليمينيَّة المتطرفة إلى البزوغ والصعود. وهناك ازدياد ظاهرة الإسلاموفوبيا في الآونة الأخيرة التي تعكس مظاهر العداء من قِبل قطاع واضح من الأوربيين للجاليات الإسلاميَّة في أوربا، وقد تبلور ذلك مع تكوين حركة أوروبيون وطنيون ضدَّ أسلمة الغرب ، المعادية للإسلام في ألمانيا
وراء هذا الصعود والانتشار الواسع لأحزاب اليمين المتطرّف في أوروبا وأمريكا ازدادت الممارسات المتطرّفة تجاه المهاجرين العرب المسلمين في معظم الأقطار الغربيَّة؛ حيث أخذت أحزاب اليمين تشنُّ هجماتها من خلال صحفها ومجلاتها التي أصبحت تتصدَّر صفحاتها الأولى عناوين من قبيل: (نيران الإسلام) و’الإسلام الملتهب’ و’القنبلة الزمنيَّة الإسلاميَّة’ و’الإسلام يكتسح الغرب’ …إلخ، ما انعكس بصورة سلبيَّة على سياسات الضيافة للمهاجرين المسلمين
كلَّ يوم يمرُّ يشهد تزايداً لقوى اليمين المتطرّف، تزداد معه معاناة المهاجرين المسلمين في العديد من بلدان الغرب الأوربي والأمريكي. وتتواصل الاتهامات المختلفة للإسلام والمسلمين، من قبيل: أنَّ الإسلام دين يرتبط بالإرهاب ويؤيده، وأنَّ المسلمين معادون للغرب، ويفكّرون في تدميره، وأنَّ المسلمين يضطهدون المرأة ويسيئون معاملتها؛ فتتوالى الأصوات وتعلو مطالبةً بضرورة طرد المهاجرين المسلمين الذين يسرقون أقوات الشعوب الغربيَّة ثمّ يدمّرونها
ومن ثمَّ، إنَّ المديرة المساعدة للشبكة الأوربيَّة لمكافحة العنصريَّة كلير فرناندز دعت المسلمين في أوربا إلى عدم الانكفاء والاستغراق في دور المستضعفين والمضطهدين، وطالبتهم بالانخراط في المجتمعات التي يعيشون فيها سياسياً واجتماعياً وثقافياً. وكانت قد أقرَّت أنَّ الشبكة الأوربيَّة لمكافحة العنصريَّة تحاول مواجهة موجات العنصريَّة المتصاعدة في أنحاء أوروبا ضدَّ الأقليَّات بشكل عام، ومن بينها الأقليَّات المسلمة. كما ترى كلير فرناندز أنَّ المسلمين في أوروبا ضحايا التعامل النمطي العنصري بأنَّهم إرهابيون، كما أنَّهم ضحايا لسياسات مكافحة الإرهاب ، في الوقت نفسه