فاس: محمد أمقران حمداوي
عاشت مدينة فاس، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، على إيقاع نفحات روحية ونغمات صوفية أصيلة، بمناسبة افتتاح الدورة الثامنة لمهرجان الثقافة الصوفية، الذي جعل من الشعر والإنشاد الروحي والسماع الصوفي جسورا للتواصل مع الذاكرة الثقافية المغربية، واستحضارا لموروث حضاري زاخر بالقيم الإنسانية والجمالية.
وشكلت فضاءات تاريخية وطبيعية بالمدينة، في مقدمتها باب المكينة وجنان السبيل، محطات بارزة لهذا الموعد الثقافي والفني، حيث امتزجت أصالة المكان بعمق التجربة الصوفية، في أجواء احتفالية استقطبت جمهورا متنوعا من المهتمين بالفنون الروحية والتراث المغربي.
ففي فضاء باب المكينة، تحول السماع الصوفي إلى لغة تخاطب الوجدان، وتستحضر ما تختزنه الذاكرة المغربية من تقاليد الإنشاد والمديح والذكر. وقد أتاح هذا اللقاء للجمهور فرصة التفاعل مع ألوان فنية متجذرة في الثقافة المغربية، تتجاوز حدود الفرجة العابرة لتلامس أبعادا روحية وإنسانية عميقة، وتؤكد قدرة التراث على تجديد حضوره في الحاضر.
ولم يكن اختيار هذا الفضاء التاريخي اعتباطيا، بل جاء منسجما مع رمزيته الحضارية ومكانته في المشهد الثقافي الفاسي، إذ تلتقي فيه الذاكرة التاريخية مع التعبيرات الفنية الأصيلة، في مشهد يجسد استمرارية العلاقة بين الماضي والحاضر، ويمنح الفنون الصوفية مجالا رحبا للتواصل مع الأجيال الجديدة.
وبموازاة ذلك، احتضن فضاء جنان السبيل عرضا روحيا لفرقة الحمداوشية، التي قدمت وصلات فنية استحضرت عمق التراث المغربي وتعدد تعبيراته الموسيقية والروحية. وقد تفاعل الحاضرون مع هذا العرض الذي جمع بين الإيقاعات التقليدية والإنشاد الجماعي، في أجواء احتفالية أبرزت ما تختزنه هذه الفنون من طاقة تعبيرية وقدرة على توحيد المشاعر وإحياء الذاكرة الجماعية.
وأكد هذا اللقاء أن فنون السماع والإنشاد الصوفي ليست مجرد أشكال للفرجة الفنية، وإنما هي مكونات أصيلة من الهوية الثقافية المغربية، تحمل في ثناياها قيما روحية وجمالية، وتعكس تاريخا طويلا من التفاعل بين الموسيقى والذكر والشعر والتقاليد المحلية.
كما أتاح العرض فرصة لتسليط الضوء على أهمية الفرق التراثية في صون هذا الموروث ونقله إلى الأجيال الصاعدة، في ظل التحولات التي تعرفها الأذواق الفنية وأنماط التعبير الثقافي. فالحفاظ على التراث لا يتحقق بمجرد استحضاره في المناسبات، بل يتطلب دعمه وتوثيقه وفتح آفاق جديدة أمام ممارسيه، بما يضمن استمراريته وتجدد حضوره.
وتندرج هذه الأنشطة ضمن الرؤية الثقافية التي يحملها مهرجان الثقافة الصوفية، باعتباره موعدا يسعى إلى إبراز غنى التجربة الصوفية المغربية، والانفتاح على مختلف أشكال التعبير المرتبطة بها، من الشعر والإنشاد إلى الموسيقى والذكر، مع التأكيد على ما يجمع بينها من قيم المحبة والتسامح والتعايش والارتقاء بالوجدان الإنساني.
وتكتسي هذه التظاهرة أهمية خاصة في مدينة فاس، التي ظلت على امتداد تاريخها فضاء للعلم والتصوف والإبداع، وملتقى للمدارس الروحية والفنية التي أسهمت في تشكيل جانب مهم من الهوية المغربية. ومن ثم، فإن تنظيم هذه اللقاءات في فضاءات المدينة التاريخية يمنحها بعدا إضافيا، يجعل من التراث الحي وسيلة لتعزيز الارتباط بالماضي واستلهام قيمه في الحاضر.
وهكذا، قدمت الدورة الثامنة لمهرجان الثقافة الصوفية، من خلال عروض باب المكينة وفضاء جنان السبيل، صورة عن غنى الموروث المغربي وقدرته على الجمع بين المتعة الفنية والتأمل الروحي. كما أكدت أن السماع الصوفي، بما يحمله من أصالة وجمال، يظل أحد المكونات الثقافية التي تستحق مزيدا من العناية والتثمين، باعتباره جسرا يربط الذاكرة الجماعية بالحاضر، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف جانب مضيء من تاريخها الثقافي والحضاري.
