المخدرات وراء كل جريمة .. حوادث وفشل وانهيار أخلاقي
المخدرات وراء كل جريمة .. حوادث وفشل وانهيار أخلاقي
د. عمرو عثمان مدير صندوق مكافحة الإدمان: نسبة الإدمان والتعاطي كبيرة ومخيفة و 9 آلاف موظف يتقدم للعلاج
العلماء: المدمن ينقلب من إنسان إلى وحش ولا يجب معايرته بعد التعافي ويجب تضافر كل الجهود للقضاء على الإدمان
تحقيق- حسـني كمـال:
بعد تطبيق القانون 73 بفصل الموظف المتعاطي للمخدرات، ولكن أشيع على وسائل التواصل الاجتماعي، أن الهدف من القانون هو تقليل عدد الجهاز الإدارى للدولة وهي (حجة) لفصل الموظفين، وحتى إذا كانت هذه حجة كما أشيع، فلا بأس من توقيع أشد العقاب على المدمن أو المتعاطي لكونه أجرم في حق نفسه وحق أسرته وحق المجتمع، ولنا في الحادث الأخير عبرة، وهو قيام ابن أحد الأغنياء بقتل 4 طلاب شباب في مقتبل عمرهم بالشيخ زايد، بعد أن أطاح بسيارتهم من الخلف، وانتهى تقرير الإدارة المركزية للمعامل الكيماوية بمصلحة الطب الشرعي، من احتواء العينات المأخوذة من المتهم على (الكوكايين والكحول الإيثيلي)، وهناك كم من حوادث السرقات والقتل وزنى المحارم، وحوادث اغتصاب، وغيرها الكثير، بسبب الإدمان وتعاطي المخدرات، ومن هنا أكد العلماء أنه لابد من وقفة أمام كم هذه الجرائم بسبب تعاطي المخدرات. كما يجب مساندة المتعافين معنويا ولا ننظر لهم نظرة سلبية بعد التعافي أو نعزله عن المجتمع، ولا ننظر له كمجرم، بل هو مريض، فيجب تشجيعه وتوجيهه للعلاج ولا نحقره ولا نعيره فهذا ليس من الإسلام، ولكن ما ذكر من أرقام حول الإدمان والتعاطي في ندوة بالأهرام منذ أيام حول (الإدمان والمخدرات)، يقلق الجميع، خوفا من هذه الظاهرة الخطيرة، فقد أكد د. عمرو عثمان، مساعد وزيرة التضامن الاجتماعى، ومدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، أن الدولة المصرية تتعامل باهتمام مع واقع مشكلة المخدرات، وليس الغرض منها تخفيف عدد الموظفين كما أشيع، ولكن المثير للقلق هو تدنى سن التعاطى الذى وصل بين طلاب المرحلة الثانوية، وأكد أن هناك فترة سماح 6 أشهر للموظف المتعاطى للتقدم للعلاج مجانا من خلال (الخط الساخن 16023) وأضاف أن المعدل لدينا يوازى ضعف المعدل العالمى، حيث كانت نسب التعاطى فى عام 2014 هى 10% فى الشريحة العمرية من 15 إلى 60 سنة، وفى الفترة الحالية هبطت نسب التعاطى لتصبح نحو 5.9%، وإن كنا مازلنا أعلى قليلا من المعدل العالمى الذى يبلغ 5.3 %. وكذلك أصبح هناك تدن كبير فى نسب الإدمان، إذ كانت نسبتها فى عام 2014 نحو 3.3 %، وأصبحت فى الوقت الحالى 2.4% بالنسبة لنفس الشريحة العمرية، ولكن الذي يخيف هو أنه مازالت النسبة كبيرة، وأن تدني سن التعاطي قد وصل بين طلاب المرحلة الثانوية إلى نحو 7%.. وبين طلاب المدارس الفنية إلى نحو 8.5%.. مشيرا إلى إستقبال أكثر من 130 ألف مريض إدمان سنوياً من بينهم نحو 6% من الإناث، وقال إن الهدف من القانون هو حماية أرواح الأبرياء وتقليل الحوادث الناتجة عن تعاطى المخدرات أو مباشرة العمل تحت تأثير المواد المخدرة والتشجيع على التقدم للعلاج.. وقد تقدم بالفعل ما يقرب من 9 آلاف موظف للحصول على العلاج، وأشار إلى أن القانون لايخص موظفى الحكومة فقط بل يمتد تطبيقه إلى كل الموظفين والعاملين بالجهات ذات النفع العام، مثل المستشفيات الخاصة أو الحضانة أو دور الرعاية. وأكد أن أخطر الأنواع (استروكس وشابو برشام مخلق وتركيبات معملية).
رؤية طموحة عام 2025
وأضاف، الخبر المهم في هذا أنه أكد أن هناك رؤية طموحة بحلول عام 2025.. بأن تتم تغطية جميع محافظات مصر بخدمات علاج الإدمان.. ورغم التكلفة العالية لعلاج الإدمان إلا أن الدولة المصرية تقوم بتغطية نفقات هذا العلاج بشكل كامل، كما أنه تم إعداد برامج للدمج المجتمعى والتمكين الاقتصادى للمتعافين وتوفير قروض ومشروعات صغيرة لهم.
الإدمان يهدم المجتمع
ويقول الدكتور مختار مرزوق، عميد كلية أصول الدين السابق، جامعة الأزهر، فرع أسيوط، إن المخدرات لها أثر سيء في هدم المجتمع، فعلى سبيل المثال، أضرار البانجو، وهو أكثر المخدرات انتشارا بين بعض الشباب، وأضراره حسب تصريح الجهات الرسمية، أنه يؤدي إلى فقدان الشهية، واضطراب النوم، وارتعاش الجسد، كما أن استنشاقه منفردا أو مخلوطا بالتبغ، ينتج نقص في عدد كرات الدم البيضاء والحمراء، ويؤدي إلى خلل وظيفي في الكبد، كما أنه يؤدي إلى حدوث تشوهات في الأجنة، بل وأعظم من ذلك يؤدي إلى الأمراض النفسية والعصبية، حيث أن له تأثيرا على الجهاز العصبي المركزي، وأيضا يدفع الإنسان إلى اللامبالاة، ولذلك نجد هذه الآثار، في أن المدمن قد يقتل أمه أو أباه، فقد رأينا جرائم بشعة، ومن أجل التصدي لهذه الظاهرة الخبيثة، التي ابتلي بها بعض الشباب، يجب تضافر الجهود بين الأسرة والمؤسسات الدينية والتعليمية، والشباب والرياضة، فكل له دوره في رعاية الشباب، فأولا: واجب الأسرة، نحو أبنائها، وحسن تثقيفهم، ورقابتهم، وسلامة توجيههم، وحسن تصرفاتهم، ثانيا، واجب المدرسة، ودورها رئيسي في هذا المجال، في حسن تربية الأولاد، ومتابعتهم خلال الدراسة، ثالثا، واجب النقابات المختلفة على مستوى الجمهورية، أن ترعى أبنائها، بحيث لا يكون من المنتسبين إلى النقابات أي مدمن، وإن وجد يتم شطبه من النقابة، رابعا، أجهزة الإعلام المختلفة، وذلك بمحاربة الإدمان، وهناك دور مهم على دور الرقابة الفنية الأفلام والمسلسلات التي تشجع على الإدمان وعلى البلطجة، كما هو معلوم لدى الجميع، خامسا، إحكام الرقابة على تداول كل أنواع المواد التي يمكن أن تؤدي إلى الإدمان، وأعظم أبواب الإدمان البرشام المخدر بأنواعه، ومعروف لدى الجميع الآن (شابو واستروكس) وما يباع في الشوارع علني، سادسا، دور العبادة، يجب أن يتصدى الجميع في المساجد والكنائس لهذا الخطر المدمر لصحة المصريين واستقرارهم، والضرب بيد من حديد على أيدي جميع المهربين، والناشرين للمخدرات، واقترح د. مرزوق، أن يعامل جالب المخدرات وموزعها معاملة الإرهابيين، كما يجب أن ننصح المدمن، بالذهاب للمؤسسات العلاجية دون خوف.
التدرج في العقوبة
ويقول الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية، بجامعة الأزهر، يجب التدرج في العقوبة، فمن المقرر شرعا أن الخمور والمخدرات يجمعها وصف المسكرات، كلها محرمة مجرمة، بلسان الشرع، قال تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) وقال صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام)، ونهى صلى الله عليه وسلم، عن كل مسكر ومفتر، وقد شرعت الشريعة الإسلامية، حدا شرعيا بشروطه، كعقوبة زاجرية دنيوية، بشروطها الشرعية، مفصلة في كتب الفقه، فيما يتعلق بتشريع فصل أو عزل الموظف عن عمله، إذا تعاطى المخدرات، فهذا أمر مبالغ فيه، لأن العقوبة عندئذ تتعداه إلى من يعول، والأصل أن العقوبة شخصية، ولا تتعدى الشخص، لكن هذه العقوبة تسبب أضرارا لأسرة أو عائلة المتعاطي، والأصل في العقوبات الزجرية الالتماس التخفيف عن الناس، فإذا وجدت شبهات تدرأ الحد، فعلى المجتمع أن يميل إلى ما يدرأ الحد، قال صلى الله عليه وسلم، لأن يخطئ الإمام في العفو، خير له من أن يتمادى في العقوبة، وقال: إدراء الحدود بالشبهات، فتغليظ العقوبة بالفصل أو العزل مرفوض شرعا، ويجب التماس البدائل، كالتوبيخ، والإنذار والعقوبة المالية، وتأخير الترقيات، وهكذا، وعدم التشهير، كما يجب التوعية الإعلامية والتعليمية، لما بها من قصور شديد، فقلما تتناول هذه الجريمة، إلا بضعة دروس يتيمة. وبالنسبة لسمعة المتعاطي أو المدمن، فيجب الرفق به، وإرشاده بموعظة حسنة، وحكمة بالغة، وتوخي سمعته وأسرته، لما تقرر من أن الأصل في العقوبة أنها شخصية، أما التشهير به، فيعود سلبا على أسرته وعائلته، وهذا ممنوع في الإسلام، وتساءل د. كريمة، هل سيطبق هذا القانون على المجتمع سواسيا؟! كما يجب أن تقوم الدولة بتدعيم الصندوق الخاص بعلاج مرضى الإدمان عن طريق فرض ضريبة على التدخين ودور المناسبات الفاخرة، لدعم علاج المتعاطين.
التدخين بوابة للإدمان
ويقول الدكتور عبدالغني الغريب، رئيس قسم الفلسفة والعقيدة، بجامعة الأزهر، يهدف الإسلام إلى صياغة مجتمع أخلاقي يتسم أفراده بقيم عالية في السلوك والتعامل، ومن أجل تحقيق ذلك وضع منظومة من الآداب والقيم تنبني عليها شخصية الفرد المسلم وتحكم علاقاته مع الآخرين. وجاءت الشريعة فأمرت بالحفاظ على العقل والنفس، فحرمت ما يفتك بالنفس كتعاطي المخدرات، وحرمت كل ما يكون سبباً في إزالة العقل أو إضعافه، وأوجبت العقوبة فيها. وأثبتت الدراسات والبحوث أن المخدرات تُشل إرادة الفرد وتفكيره، ولها عدة آثار سلبية على شخصيته وعقله وجسده، وتدفعه إلى ارتكاب الجرائم، وهذا ما رأيناه في فترة وجيزة، من قتل، وسرقة، واغتصاب، وتحرش، حتى أنها ضربت بالمؤسسات التعليمية بين أوساط الطلاب انفسهم. ويأتي ذلك بسبب، التفكك الأسري، وطلاق الوالدين أو غياب الأب فى عمله، ثم تغير الأمر فأصبح المدمن يقيم مع والديه، فأصبحت المخدرات تلتهم الأسرة المستقرة أيضا، من جراء الانفصال مع وسائل السوشيال ميديا، التي خلقت تفككا أسريا داخل الأسرة نفسها، فالكل مشغول مع هذه الوسائل، برغم وجود الأب والأم، وأدت العزلة إلى الانحرافات الفكرية، وارتكاب الجرائم، وإدمان المخدرات، وأصبحت هذه الظاهرة لا تميز بين صغير أو كبير، أو غني أو فقير، فالكل عرضة رغم وعيه بأضرار وخطورة هذه السموم، ويبدأ الإدمان عادة بالتدخين الذي يكون هو البوابة السهلة للدخول إلى عالم الإدمان، فالإدمان يبدأ بسيجارة، ثم يتطور من قرناء السوء وتقليدهم، فقد تنوعت واختلفت الآراء حول العلاقة بين المخدرات والجريمة، وهل تلك العلاقة هي علاقة ارتباط بين مقدمات ونتائج؟ أم أنها علاقة ارتباط بين رغبة واستجابة؟
ينقلب من إنسان إلى وحش
وأوضح د. الغريب أن خطر المدمن على المجتمع يأتي حينما يتناول المادة المخدرة، فينقلب من إنسان إلى وحش في حالة تشبه الجنون، ومن إنسان سوى إلى إنسان يقتل أو يسرق أو يغتصب في سبيل الحصول على المال اللازم لشراء هذه المادة المخدرة وهنا سر البلاء. وهذا ما رأيناه واضحا جليا في الآونة الأخيرة من إنسان يفصل رأس إنسان، ثم يسير بها في الشارع متباهيا، ومن آخر يقتل ويغتصب وتقع منه جريمتان في آن واحد تحت تأثير المخدرات. كذلك رأينا من يسرق، ومن يعذب زوجته وهي حامل في الشهر الثامن دون خوف من أحد. لقد سيطر على هؤلاء جميعا وهيمن عليهم تأثير المخدرات وما فعلته بجهازهم العصبي وما ألحقت به من تدمير.
حماية النفس
وأشار د. الغريب إلى أن القانون 73 الخاص بفصل الموظف المتعاطي للمخدرات يهدف إلى إصلاح ما يؤدي إلى إفساد مؤسسات الدولة، لأن المدمن خطر ولا يؤتمن على حياة ومصالح المواطنيين. وإذا كان التعاطي جريمة مخلة بالشرف، فإن هذا المتعاطي مريض ينبغي علاجه وإعادته إنسانا طبيعيا وسويا للمجتمع، فإذا ما عاد بعد تعافيه مرة أخرى للتعاطي ينبغي حبسه، لكونه أصبح فاقدا للثقة والأمانة، لكن العمل تحت تأثير المخدرات من الممكن أن يؤدى بالشخص إلى أن يخون عمله أو يغشه، أو يعرض حياة الآخرين للخطر خاصة أثناء قيادة السيارات، وأخيرا لابد من عدم تأنيبه إذا ما تاب وعاد وعدم معايرته بعد التعافي.