
فاطمة سهلي طنجة
ارتبطت بالأساطير والحكايات الغريبة أكثر مما ارتبطت بالواقع وكأنها ولدت قبل أسبوع فقط، مع أنها موجودة في المكان نفسه وبالحجم نفسه قبل آلاف السنين، تلك الصخرة الكبيرة، التي يطلق عليها البعض اسم جزيرة ، والآخرون يطلقون عليها اسم الحجر، لم يكن كثيرون يعرفون اسمها ، غير أن التاريخ الذي صنعته تلك الصخرة الكبيرة سيجعل الكثيرين يتبادلون الجدل حول اسمها الحقيقي
في يوليوز من سنة 2002، اكتشف المغاربة مكانا لم يكونوا يعرفونه من قبل، وعرف الناس تلك الصخرة المنسية على بعد أمتار قليلة من الشاطئ المغربي بمضيق جبل طارق
توجد تلك الصخرة على بعد حوالي 45 كيلومترا شرق مدينة طنجة، وعلى بعد حوالي 7 كيلومترات من مدينة سبتة، وهي أيضا قريبة من مدينة تطوان، لكن سكان هذه المدن لم يكونوا يتوقعون بالمرة أن هذه الجزيرة الصغيرة وغير المأهولة ستتسبب في يوم ما في نزاع دبلوماسي خطير بين المغرب وإسبانيا، بل كادت هذه الأزمة الدبلوماسية أن تتطور لاحقا إلى مواجهة مسلحة بين البلدين، خصوصا وأن إسبانيا وقتها كان يحكمها رجل اسمه خوسي ماريا أثنار، وهو سياسي متأثر كثيرا جدا بملاحم الشخصية الأسطورية ”دون كيشوت ديلا مانتشا”، الذي يحارب طواحين الهواء حين لا يجد شيئا جديا يفعله
سبب النزاع بدأ حين قرر المغرب أن يضع على الجزيرة بضعة أفراد من حرس الشواطئ، فقامت القيامة
الغريب في كل هذا أن المغاربة اكتشفوا هذه الجزيرة، ثم بعد ذلك بحثوا لها عن اسم، فقيل لهم إن اسمها ليلى، فصدقوا ذلك، غير أن المؤرخ المغربي محمد بن عزوز حكيم، الرجل البالغ الدراية بكل شيء يتعلق بجغرافية وتاريخ شمال المغرب وإسبانيا، قال إن ”ليلى” اسم كاذب، لأنه مجرد تحوير للكلمة الإسبانية ”لا إيسلا”، وبما أن جزءا مهما من الإسبان، خصوصا في الجانب الإسباني، لا ينطقون حرف السين بقوة، وفق اللكنة الأندلسية، فإن”لا إيسلا صارت ”لا إيلا”، ثم صارت ليلى من كثرة ترديدها
المؤرخ بن عزوز حكيم أتى باسم تاريخي موثق لهذه الجزيرة، وهو ”تورة” أو ثورة”، واستشهد في ذلك بوثائق وحجج من القرون الماضية، أيام لم يكن أحد يناقش في انتماء هذا المكان إلى أصله، وأصله هم السكان المحيطون به، والسكان المحيطون به هم ”جْبالة”، وهم يتحدرون من أصول أندلسية إيبيرية، وهم اليوم مغاربة كغيرهم
الإسبان يسمون هذه الصخرة جزيرة ”بيريخيل”، ومعناها اللغوي واضح، أي جزيرة ”المعدنوس”، وهي تسمية أكثر واقعية من اسم ليلى الغامض. أما لماذا حملت هذه الصخرة اسم المعدنوس فلأنها كانت في ما مضى تنبت الكثير من هذه النبتة الصحية والمفيدة، وكثير من سكان المنطقة، المغاربة طبعا، كانوا يتوجهون نحو الجزيرة إما سباحة أو في مراكب صغيرة، لكي يلتقطوا هذه النبتة، لكن مع مرور الزمن انقرضت لأسباب مناخية وطبيعية، أو حتى بشرية، وصارت تنبت أعشابا وحشية فقط، وبعض الشوك
جزيرة ليلى، أو المعدنوس، أو بيريخيل، أو تورة، مرتبطة أيضا بالأساطير الموغلة في القدم، والغريب أن هذه الأساطير مرتبطة بالواقع في كثير من التفاصيل والأشياء الحقيقية، ومن بينها قطعان الماعز والحليب والمعدنوس إنه شيء غريب بالفعل
وفي بداية القرن العشرين، حل بهذه الجزيرة أحد كبار المختصين في التاريخ الإغريقي، وهو الفرنسي فيكتور بيرار، الذي جاب ضفاف البحر الأبيض المتوسط بحثا عن الأماكن التي دارت فيها ملحمة الحب الأسطوري بين كاليبسو وأوليس
وتقول الأسطورة إن كاليبسو، ابنة الملك أطلس، عينها والدها ملكة على هذه الجزيرة قبل ثلاثة آلاف عام، وفي صباح يوم ما وجدت جسد ”أوليس” يطفو على الماء قرب الجزيرة
أمرت كاليبسو خادماتها بحمل ”أوليس” وإدخاله إلى واحدة من المغارات الكثيرة في الجزيرة، وأعدت له فراشا وثيرا من جلود وصوف الماعز والخرفان، ولأن الفراش، على ما يبدو، كان مريحا أكثر من اللازم، فإن نوم ”أوليس” طال واستطال، وحين استيقظ قدمت له كاليبسو حليب الماعز كعربون ضيافة ومحبة، وهو ما أدى إلى ولادة قصة حب رائعة بينهما. وتضيف الأسطورة أن كل من كان يسكن هذه الجزيرة كان يتغذى أساسا من حليب الماعز، ومن نباتات رخوة ومغذية
ولا ادل على ذلك قضية تقديم الحليب للضيوف كعربون محبة وضيافة، وهو تقليد شائع في المنطقة، وفي المغرب عموما. والأكثر غرابة أن قطعان الماعز لم تفارق يوما هذه الجزيرة الصغيرة