
فاطمة سهلي طنجة تقرير
ان ما شهدته مدينة القصر الكبير هو فيضان مرتبط بالأمطار الغزيرة، إذ إن كميات التساقطات خلال 72 ساعة قاربت المعدل السنوي للأمطار بالمنطقة، غير أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد.
فقد تزامنت هذه التساقطات الاستثنائية مع تصريف مياه سد واد المخازن نحو نهر اللوكوس بعد بلوغه الحد الأقصى من طاقته الاستيعابية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في منسوب المياه العابرة لمدينة القصر الكبير. وتجدر الإشارة إلى أن المدينة تاريخيا بسبب موقعها كانت تعرف فيضانات سنوية قبل بناء سد واد المخازن، الذي لعب دورا مهما في حمايتها لعقود طويلة.
غير أن حدة المنخفضات الأطلسية والاضطرابات الجوية الحالية غير المسبوقة منذ تسعينيات القرن الماضي أو أكثر، أظهرت محدودية قدرة السد، رغم حجمه الكبير، على توفير حماية كاملة في مثل هذه الظروف الاستثنائية، خاصة أن البنية التحتية للمدينة مهيأة لتصريف مياه الأمطار فقط، وليس مياه فيضانات نهر اللوكوس.
الكارثة الطبيعية لفيضانات القصر الكبير عرت عن ثلاثة جوانب مظلمة:
ألتدبير الكارثي لشؤون مدينة القصر الكبير
وجود القصر الكبير في منبسط سهلي خطير معرض دوما للفيضانات، التماطل في إدماج مدينة القصر الكبير في منظومة حمائية من الكوارث الطبيعية تتناسب مع تناسل المخاطر التي تحدق بها.
التعمير العشوائي بالمدينة فاقم من خطر الكوارث الطبيعية
عدم التمكن من إنجاز حزام أمني يحميها من مخاطر الفيضان بسبب عدم الدينامية في انتزاع برامج وشراكات مع وكالات الحوض المائي ووزارات التجهيز والداخلية والمالية، لفائدة المجالات الترابية.
مشروع ترحيل المياه من الأحواض المائية الفائضة نحو الأحواض العطشانة، غير وارد في ألاجندة علما أن هذا الورش ”المعروف بأوطوروت الماء ” مسطر منذ 1997، ولم تنفذ منه إلا بعض المقاطع الجزئية، آخرها مقطع ترحيل الماء من سبو إلى حوض أبي رقراق لإنقاذ الرباط والدارالبيضاء من العطش في أزمة الإجهاد والجفاف التي ضربت المغرب في سنتي 2023\2024.
من المعلوم أن المغرب سطر برنامج ترحيل المياه من الأحواض لعقلنة الاستعمال وسد الخصاص في المناطق المحرومة من جهة وحماية المدن بالأحواض المشبعة بالماء والمطر من الفيضان من جهة ثانية.
هذا المشروع تضمن ترحيل الماء من حوض واد لاو إلى اللوكوس، ومن اللوكوس إلى حوض سبو، ومن سبو إلى حوض أبي رقراق، ومن أبي رقراق إلى حوض أم الربيع، لتنتهي أوطوروت الماء في حوض تانسيفت. أما ترحيل الماء من واد لاو إلى حوض ملوية فتم التخلي عنه لطبيعة التربة بالريف الشرقي وخصائصها المورفولوجية غير المستقرة، لكن تم تعويض هذا الورش بسيناريو إنجاز محطة ضخمة لتحلية مياه البحر لسد الخصاص بالجهة الشرقية.
لكن للأسف لم تحترم الا لتزامات سواء بشأن إنجاز أوطوروت الماء وترحيله بين الأحواض، أو بشأن إخراج محطات تحلية المياه (السعيدية، الدارالبيضاء، الشاطئ الأبيض بكلميم، الداخلة، إلخ…)، وهي المحطات المفروض أن تكون جاهزة بين سنتي 2017 و2019 لتزويد السكان بالماء الشروب وتزويد المصانع بحاجياتها المائية.
الآن، لا بد من الاستفاد ة من درس فيضان القصر الكبير وقبله بأسابيع بأسفي
السؤال التالي:” ماذا قدم من حلول وأوراش للتخفيف من حدة الكوارث الطبيعية على المدن والمواطنين
هل كان يمكن تقليص خسائر فيضانات القصر الكبير ومدن الشمال لو تم تسريع تحديث منظومة تتبع السدود؟
سؤال يفرض نفسه اليوم بقوة، فلو تم تحيين منصة “مغرب السدود” في وقت أبكر من السنة الماضية، مع اعتماد منظومة للمراقبة اللحظية لحقينة السدود وتدفق المعطيات الميدانية بشكل آني، لكان من الممكن دعم القرار الاستباقي خلال فترات التساقطات القوية، سواء على مستوى تدبير التصريفات أو الإنذار المبكر. التأخر في رقمنة المعلومة المائية ليس مسألة تقنية فقط، بل عنصر مباشر في منظومة تدبير المخاطر الطبيعية.
الانتعاشة المسجلة في المخزون المائي الوطني خلال الأسابيع الأخيرة تعيد الواجهة إلى أهمية أدوات الرصد والتتبع الرقمية، خصوصًا في ضوء الدروس التي أفرزتها فيضانات القصر الكبير، والتي أبرزت الحاجة إلى معطيات هيدرولوجية آنية، دقيقة، وقابلة للاستغلال الفوري في منظومات القرار.
في هذا الإطار، يشكل تحديث منصة مغرب سدود ( تم الإعلان عن صفقة المشروع بداية يناير من طرف المديرية العامة لهندسة المياه – وزارة التجهيز والماء) خطوة محورية في تأهيل البنية الرقمية لتدبير السدود، من خلال إعادة هندسة شاملة للمعمارية المعلوماتية والوظيفية للنظام، بما يضمن:
▪️ أتمتة كاملة لإعداد الوضعيات اليومية لملء السدود بدل المعالجة شبه اليدوية
▪️ Dashboards تحليلية موجهة لصناع القرار، تتيح تتبع المؤشرات في الزمن شبه الحقيقي (taux de remplissage, évolution journalière, comparaisons temporelles et régionales)
▪️ Référentiel national unifié des barrages يدمج المعطيات التقنية، الطبوغرافية والهيدرولوجية
▪️ تعزيز الأمن السيبراني ورفع مستوى resilience للنظام المعلوماتي
▪️ تطوير التطبيقات المحمولة للأعوان الميدانيين مع توسيع التوافق ليشمل iOS
▪️ تكامل مباشر مع نظام ERSSAL-MORDAM لتسريع تدفق البيانات من السدود نحو المنصة المركزية
هذا الورش لا يندرج فقط ضمن التحول الرقمي الإداري، بل ضمن منظومة اليقظة الهيدرولوجية الوطنية، حيث تصبح جودة البيانات، زمن وصولها، وقابليتها للتحليل عناصر حاسمة في تدبير فترات الفيضانات كما في فترات الإجهاد المائي.
المعطى المائي اليوم لم يعد مجرد رقم تشغيلي، بل مدخل استراتيجي لإدارة المخاطر، التخطيط، ودعم القرار متعدد المستويات.المشاهد الصادمة للسيول الجارفة والفيضانات لم تكن مجرد تقلبات مناخية عابرة، بل هي مرآة كاشفة لواقع مؤلم يختزل هشاشة البنيات التحتية وضعف الاستعدادات الاستباقية، و أن ما حدث يكرس استمرارية منطق التهميش المجالي الذي طالما عانت منه المنطقة.
هذه الواقعة لا يمكن حصرها في خانة الحوادث العرضية، بل هي نتاج مباشر لاختلالات بنيوية عميقة وتراكمات لسنوات طويلة من الإهمال والسياسات غير المجدية، مما يستوجب قطع الطريق أمام منطق التدبير الظرفي المسكن، والارتقاء نحو تفعيل صريح للمسؤولية القانونية والدستورية الكفيلة بتقليص الفوارق المجالية واجتثاث الهشاشة من جذورها.
انه زمن التهيئة طور المسؤولية والواعي مسؤول فهو جسر لغيره ومن لم يحتمل هذه المسؤولية سيعود للتيه ولو ظن أنه آمن
