
تنظم المكتبة الوطنية للمملكة المغربية لقاء ثقافيا سيتم خلاله تقديم ومناقشة رواية “في انتظار ابن رشد” للكاتب والباحث والمخرج السينمائي عز العرب العلوي، بمشاركة د. بوجمعة العوفي، ود. محمد شيكر. تسيير اللقاء: د. إسماعيل الموساوي، وذلك يوم الخميس 29 يناير 2026 على الساعة الخامسة مساءً بمقر المكتبة الوطنية بالرباط.
وتتجلى أهمية هذا العمل السردي -البصري لعز العرب العلوي في قدرته على الجمع بين البنية السردية المشوقة والبعد الفلسفي العميق، لتصوغ نصًا روائيًا لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يسعى إلى مساءلة العقل والذاكرة والسلطة، ويطرح أسئلة وجودية راهنة. فالرواية، من خلال توظيفها لأسلوب الفانتازيا البصرية والسرد البوليسي، وتناصها الفلسفي مع ابن رشد، ومراوغتها الزمنية بين الحلم والواقع، بين الماضي والحاضر، تصنع فضاءً معرفيًا متنوعًا، يحفز القارئ على التأمل في آليات القوة، والحقائق المختفية، والذاكرة الإنسانية.
كما أن عملية التناص مع الفلاسفة العرب في هذا العمل الروائي، وبخاصة ابن رشد، ليس مجرد تزيين أدبي، بل يشكل العمود الفقري للسرد، ويمنح الرواية أبعادًا معرفية عميقة. بحيث «الانتظار» هنا ليس انتظار شخصية محددة، بل حالة حضارية وفكرية تشير إلى استمرارية البحث عن العقل النقدي، وإمكانية فتح أبواب التأمل والحوار في مواجهة ممارسات الهيمنة والتقليد المفرط. وبذلك، تتحول الرواية إلى نص مكثف من حيث العمق الفكري، يفتح أفقًا للمساءلة، ويضع القارئ أمام تحدي التفكير النقدي والوعي بالزمان والمكان.
إذ تُظهِر الأحداث والرموز المتشابكة في الرواية، على أن الأدب بوصفه ممارسة معرفية قادر على تفكيك بنية السلطة، وكشف الأبعاد الغائبة للتاريخ والثقافة، كما في واقعة (انفجار الجدارية التاريخية بمقر الفاتيكان) أو رحلة شخصية محمود بين التحقيق الصحفي والسرد الروائي. كما أن اللغة، في الرواية، بوصفها أداة تشكيل للوعي، ليست مجرد وسيلة لنقل الحدث، بل فضاء لإنتاج المعنى، حيث تتشابك التفاصيل الواقعية مع الرمزية، والعاطفة مع العقل، لتمنح النص ثراءً جماليًا وفكريًا متزامنًا.
إن أهمية هذه الرواية لعز العرب العلوي، لا تكمن في كونها مجرد حكاية متسلسلة من الأحداث، بل مشروع ثقافي وفكري، يستثمر الأدب وسيلة للتأمل في العالم، ولإعادة صياغة العلاقة بين الإنسان، والمعرفة،
والسلطة، والزمن. إنها نص يحافظ على طاقته التأملية، ويعيد طرح أسئلة الإنسان الكبرى حول مصير العقل والذاكرة والحرية، ويؤكد على قدرة الرواية على أن تكون مساحة حرة للحوار مع الذات والتاريخ والمجتمع.
ثم إنّ هذا العمل الأدبي يقدم نموذجًا للرواية المغربية والعربية المعاصرة التي تتجاوز الخطاب الواقعي المباشر، لتصبح نصًا فلسفيًا، ثقافيًا، وتاريخيًا في آن واحد، نصًا يفتح المجال لتعدد القراءات والتفسيرات، ويضع القارئ أمام مسؤولية الفكر النقدي، في انتظار القادم الجديد، الذي سيعيد إنتاج الفكر والثقافة من جديد، في دوائر لا تنغلق، بل تتفتح على عوالم معرفية جديدة لا نهائية.
بوجمعة العوفي – شاعر وناقد فني
