البداية رقم ألف

بورتريه الاختلاف
بقلم : الكاتبة هناء ميكو
الاختلاف امتياز فكري وضرورة وجودية تُقاوم الرداءة، وتفضح المسكوت عنه، وتعيد للوعي حقّه في السؤال. هو فعل شجاعة ضد القطيع، وانحياز صامت للمعنى حين يضجّ المتداول بالفراغ. في هذا النص، يُقدَّم الاختلاف بوصفه جوهرًا حيًّا يُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان، والفكرة، والعالم
الاختلافُ أدبٌ، والتعبيرُ عنه فنٌّ، وهو سببُ تميّز الإنسان عن باقي أقرانه، باعتباره الأصل في يقظة الوعي، وتجدد الفكر، وتطور الحياة. هو ذاك الصخب الهادئ، الذي يعرف أن الحقيقة تحتاج نعومةً عميقة تُداعب مسامع من نذروا أنفسهم لها. يحمل شغفًا وجوهرًا لافتًا؛ في ذاته سؤال، وفي سكوته موقف، وحضوره نابع من وعيٍ يخلخل المألوف دون أن يكسره، ويُربك السائد دون أن يُلغيه، كأنه وُجد ليُعيد ترتيب المعنى.
اختلافٌ بعيدٌ عن اللامبالاة، قريبٌ من المسكوت عنه في القضايا الشائكة والمهمة وغير المطروحة، في السياسة والدين والقيم والحرية. عيناه مفتوحتان على تلك المناطق الحسّاسة بكل دوافعها: الفضول والمسؤولية. يقترب منها كما يقترب الحكيم من النار؛ يعرف حرارتها، ويدرك أن الاقتراب المفرط يُحرق، وأن الابتعاد التام يُطفئ النور، لذلك يقف في المسافة الصعبة، حيث يصبح التفكير فعل شجاعة، والوعي امتحانًا أخلاقيًا.
هو اختلاف يبتعد عن الابتذال والطرق المتداولة في التفكير والتعامل، ويسعى إلى نشر ثقافة هادفة تدحض السوقية، والتشابه، والشعبوية، وتُكرّس قيمة المبادئ السمحة، سواء في اتجاه ذات الإنسان بوصفها أصل الإبداع، أو في اتجاه ما يؤثث الكون من مخلوقات وطبيعة. لذلك يمكن القول إن المختلف يتمتع بحق التعبير ما دام يدعم التميّز ويُغني النقاش بطريقة حضارية، فالاختلاف لا يفسد للود قضية.
والمختلف بخلافه غالبًا ما يكون حاملًا للمعرفة والموهبة والقيم، النابعة من عقلٍ وروحٍ منسجمين مع الحق والعدل.
يُجيد التطرّف نحو الإنسانيّ الحق، نحو الفيلسوف الدائم الشك، الذي يكره الأجوبة النهائية، ويُجيد التفرد بوصفه استثناءً وتعاليا عن الشوائب ومسؤولية فكرية وأخلاقية. لغته مشذّبة، شفافة، غير بريئة؛ يقول ما يكفي ليوقظ، ويصمت بما يكفي ليترك للآخر حق الاكتشاف.
هو ضد الشعبوية، يحترم العقل، ويضيق بالتشابه والتعالي، وفي مفرداته نزوع إلى الوحدانية دون عزلة. مضاد للاستهلاك، قادر على ولوج عالم التفرد الذاتي العميق، كما عالم السائد والمتداول، يدخل هذا الأخير كما يدخل الأثري موقعًا مهجورًا: يقرأ طبقاته، يفهم أثر الزمن عليه، ويستخرج منه ما يصلح للذاكرة، وما يستحق أن يُعاد التفكير فيه عبر الزمان والمكان.
في العمق، الاختلاف كائن متوازن؛ جذوته تحرق الابتذال، وحدّته تجرح الاستهلاك في عقر داره، وجرأته تهدم المستعمل والمكرر دون أن تنقض المعنى. إنه التقاء العقل بالروح، والحرية بالمسؤولية، وتكمن أهميته في هذا التوازن المميّز.
وحين يغيب، يسود ضجيج المتداول والشائع، ويعلو صوت التشابه، غير أن جوهره يظل حاضرًا، صمتًا ناطقًا بالحياة والإحساس، في أعالي الروح
