يخلد الشعب المغربي، في 18 نوفمبر من كل سنة، ذكرى التخلص من الاستعمار.
بعد نفي العاهل المغربي، الملك الراحل محمد الخامس، اندلعت شرارة المقاومة. وفي مثل هذا اليوم، في 18 نوفمبر 1955، عاد الملك معلناً انتهاء نظام الوصاية والحماية الفرنسية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال والمغاربة اليوم يخلدون الذكرى الخامسة والستين لعيد الاستقلال المجيد الذي يجسد بفضل الرؤية السديدة لصاحب الجلالة محمد السادس نصره الله واطال في عمره أسمى معاني التلاحم بين العرش العلوي والشعب المغربي والذين يواصلان بكل تفان ملحمة النهضة الوطنية من أجل البناء والتشييد
احتفل المغرب لأول مرة بعيد عهد الاستقلال، سنة 1956، كان احتفالا عظيما ويوما مشهودا وتاريخيا، في ظل الحرية والاستقلال حين التقى شباب المغرب من جميع جهات المملكة ليحتفلوا بعيد ميلاد رمزهم و قدوتهم الأمير مولاي الحسن آنذاك عندما كان وليا للعهد ، وكان ذلك العيد انطلاقة لعزيمة الشباب وإرادتهم، وعنوانا لتصميمهم على بناء الوطن وخوض معركة الجهاد الأكبر
فكثيرة هي المعارك البطولية والانتفاضات الشعبية التي خاضها أبناء الشعب المغربي بكافة ربوع المملكة في مواجهة مستميتة للوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري. ومن هذه البطولات، معارك الهري وأنوال وبوغافر وجبل بادو وسيدي بوعثمان وانتفاضة قبائل آيت باعمران والأقاليم الجنوبية وغيرها من المحطات التاريخية التي لقن فيها المقامون للقوات الاستعمارية دروسا رائعة في الصمود والمقاومة والتضحية.
ومن أبرز المحطات التاريخية التي ميزت مسار الكفاح الوطني الزيارة التاريخية التي قام بها أب الوطنية وبطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس إلى طنجة يوم 9 أبريل 1947 تأكيدا على تشبث المغرب، ملكا وشعبا، بحرية الوطن ووحدته الترابية وتمسكه بمقوماته وهويته.
وبعد هذه الزيارة الميمونة الحبلى بقيم التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار، اشتد تكالب السلطات الفرنسية، خاصة أن جلالة المغفور له محمد الخامس لم يخضع لضغوط سلطات الحماية، فكانت مواقفه الرافضة لكل مساومة سببا في شروع المستعمر في تدبير مؤامرة النفي.
وكلحظة التحام للأمة، تعكس ذكرى الكفاح الشجاع لشعب توحد وراء ملكه، انطلقت شرارة ثورة الملك والشعب يوم 20 غشت 1953، التي يعد الاحتفاء بها مناسبة للأجيال الصاعدة لإدراك حجم التضحيات التي بذلها أجدادهم للتحرر من جور الاستعمار واسترجاع المغرب لاستقلاله.
وانتصرت الإرادة القوية للأمة، بتناغم مع العرش للدفاع عن القيم الوطنية المقدسة، ضدا على مخططات المستعمر الذي لم يدرك أنه بإقدامه على نفي رمز الأمة، جلالة المغفور له محمد الخامس وأسرته الشريفة، لم يقم سوى بتأجيج وطنية المغاربة والتعجيل بنهاية عهد الحجر والحماية.
وفور عودة جلالة المغفور له محمد الخامس رفقة أسرته الملكية، يوم 18 نونبر 1955 من المنفى إلى أرض الوطن، أعلن الملك الراحل عن انتهاء نظام الوصاية والحماية الفرنسية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال، مجسدا بذلك الانتقال من معركة الجهاد الأصغر إلى معركة الجهاد الأكبر وانتصار ثورة الملك والشعب.
واختار جلالة المغفور له محمد الخامس وقتها اسم عيد الشباب ، ليعطي لاحتفال شباب المغرب رمزا ومحتوى تجسد فيما يمثله ولي العهد رفيق محرر المغرب من طموح وإرادة، ولم يكن العيد احتفالا من أجل الاحتفال بل تعبئة وتفجيرا لطاقات الإبداع ومخزون الإنتاج والعطاء عند الشباب المتجدد والمتدفق
ففي شهر يوليو 1956 وبعد أربعة أشهر من نهاية الحجر والحماية، وإعداد وثيقة الاستقلال، عاش المغرب أيام فرحة عارمة للنصر الذي حققته ثورة الملك والشعب،
فالشباب المغربي كان طليعة تلك الفرحة ووجهها المشرق المعبر وطاقتها المتفجرة، وشباب تلك الأيام كان شباب ثورة ووطنية وحماس، ووقود الثورة الوطنية فقد كانوا بمعنى اصح خريجي مدرسة الحركة الوطنية الذين أصبحوا اليوم أباءا لأبناء، واجدادا لأحفاد، جيل في مستوى المسؤولية الجسيمة التي تحملها في وضع اللبنات الأولى لعهد الاستقلال، وفي اجتياز تلك التجربة الصعبة التي واجهت الشعوب عند انتقالها من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال .
ومنذ ذلك اليوم اصبح عيد الشباب موعدا مضروبا بين شباب المغرب وإرادته وطموحه،
فعيد ميلاد جلالة الملك يمنح للجميع فرصة للتأمل والتذكر، وإعادة قراءة الأحداث، واستنبطان ما تنطوي عليه من عبر ودلالات ودروس، المقترنة بتاريخ الوطن والأمة،
لذلك فإن الوقوف أمام هذا الحدث، ومحاولة استقراء ماضيه وحاضره ومستقبله يكتسي قيمته الأدبية والفكرية والتاريخية كجهد يسهم في توعية الأجيال المتشوقة إلى معرفة تاريخها لتتسلح به في بناء مستقبلها
لقد كان المستعمرون يظنون أن المغرب سيتعثر وسيقف عاجزا عن تسيير شؤونه، وكانوا بذلك يراهنون على صحة ما كانوا يدعون بأنهم جاؤوا على المغرب لوضع حد للفوضى وللتسيير في بلد غير قادر على تنظيم نفسه، وإدارة شؤونه، وأن مهمتهم كانت هي مساعدة هذا المغرب الضعيف وتعليمه، وتكوين أطره، وتنظيم إدارته، وكانوا يقولون عن الحركة الوطنية، إنها تفسد ما يريد الاستعمار إصلاحه، وأن رجالاتها وأتباعها مخربون وفوضويون ولكن المغرب المستقل واجه التحدي وتغلب عليه، وبرهن أبناؤه أنهم قادرون ليس فقط على ملء الفراغ الذي تركه الاستعمار، بل على تشييد صرح دولة حديثة برجالها وأطرها وقوانينها وأجهزتها، وكان جيل شباب الاستقلال هو الذي تحمل العبء الأكبر في تلك الفترة الحاسمة، وكان الحماس عدته، والأمل سلاحه، والثقة سبيله
وهو بمثابة التحدي الذي رفعته وترفعه أجيال الشباب منذ تلك السنة إلى الآن أمام كل الصعوبات، معلنة أنها ستبقى وفية للعهد الذي قطعته على نفسها في حب الملك والوطن
كان المغفور له الحسن الثاني وليا للعهد آنذاك رمزا للشباب المغربي، شباب الكفاح، وشباب الحماس، وشباب الوعي والإرادة، وكان كل شاب مغربي يرى ولي العهد الشاب المثل الذي يتوق أن يكونه كفرد في أسرته الصغيرة: تربية وطاعة لوالده، وعضدا له في السراء والضراء، وكعضو في أسرته الكبيرة حبا ووفاء، وغيرة وذودا عن كرامة وعزة ومناعة تلك الأسرة الكبيرة
وقد تحررت البلاد بعد كفاح مرير، واخد قائد ذلك الكفاح المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه منحى اخر نحو شباب بلاده لا يدعوهم لحمل السلاح في وجه المستعمر بل لحمل سلاح البناء والتشييد، وانطلقت الأجيال الجديدة من أبناء الوطن حرة طليقة للاحتفال العظيم ، لا تتظاهر ضد المستعمر، بل تحمل أعلام النصر والأمل، وتمر في مواكب مرفوعة الرأس، باسمة الوجه، واثقة مطمئنة ان الشعوب لا تنضج وتتسع مطامحها لبناء حاضرها ومستقبلها، إلا من خلال استحضارها لتاريخها، ومقاربة لحظاته النضالية، ومعاركه من أجل البقاء والاستمرارية، وإبراز كينونته المميزة بين الأمم، واستخلاص العبر من مختلف محطاته، تكريسا لما في اللحظات الماضية والحاضرة من قوة جذب باتجاه مستقبل يسعى للأفضل.
من هنا يستمد التأمل العميق في مغزى وأبعاد احتفال شعبنا بعيد الاستقلال الذي يستمد قيمته وعمقه روحيا وفكريا، حضاريا و تاريخيا، حيث اجتزنا واجتاز المغفور له الحسن الثاني ووالده رحمه الله محمد الخامس والملك محمد السادس اطال الله في عمره الذي لا زال يواصل بناء المغرب على خطى اجداده سليلي الدوحة الشريفة، والمؤتمنون على عرش المغرب الخالد، مرحلة البحث عن الذات… وعن الطريق… وعن الهدف، وأعادوا الأمة إلى منابع هويتها، والوطن إلى وجهه المشرق، ووضع قطار المغرب على طريق المستقبل الآمن
فاطمة سهلي .